هنا كذلك: الألفاظ هذه منها ما هو صريح وهو مقابل للنص فلا عدول عنه البتة، ومنه ما ليس بصريح لكنه يكون ظاهرًا في الاتصال، فيُحمل عليه إلا إذا دلت قرينة واضحة بيّنة على أن ثَم واسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم والصحابي.
{وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. فَقَالُوا: لاَ يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ لاِحْتِمَالِهِ وَتَرَدُّدِهِ بَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ} .
وهذا فاسد؛ لأنه فيه سوء ظن بالصحابي، نقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن كذلك. ثم احتمال الواسطة لو كان محتملًا، الصحابة إذا لم يسندوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أسندوا عن غيره، فلو أسقط واسطة فإنما أسقط صحابيًا آخر، ولا يضر هذا .. لو عُلم أنه أسقط صحابيًا آخر لا يضر.
قال: (وَأَمَرَ وَنَهَى) .
يعني: {قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَذَا. وَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا} .
(أَمَرَ) (وَأَمَرَنَا) .
(وَنَهَانَا) {رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَذَا} .
(وَأُمِرْنَا) {بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ} مغيَّر الصيغة.
(وَنُهِينَا) {بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ} كذلك.
{وَرُخِّصَ لَنَا فِي كَذَا، وَأُبِيحَ لَنَا كَذَا، وَحُرِّمَ عَلَيْنَا كَذَا. وَمِنْ السُّنَّةِ كَذَا وَكَذَا. وَقَوْلُهُ: جَرَتْ السُّنَّةُ أَوْ مَضَتْ السُّنَّةُ بِكَذَا. كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ} .
كل ذلك يُعتبر له حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم.
لو قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم. حينئذٍ ليس ثم ما يطلقه الصحابي بكونه آمرًا إلا وهو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يُعرف في زمنهم ممن يسند إليه الشرع إلا محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا جاء بالفعل ولم يأت بالفاعل كما قال: أَمَرَ. أو حذف الفاعل كأُمرنا، ونُهينا. حينئذٍ لا يُعرف إلا أن الذي حُذف من الإسناد هنا -المسند إليه- إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يُعرف أن الصحابة تلقوا شيئًا من الشرع إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه العبارات كلها يُحمل فيها على ظاهرها وهي السماع: (أَمَرَ وَنَهَى وَأَمَرَنَا وَنَهَانَا) على جهة الإفراد والجمع، والإسناد إلى الفاعل.
(وَأُمِرْنَا وَنُهِينَا) هذا مبني للمفعول.
(وَرُخِّصَ لَنَا، وَحُرِّمَ عَلَيْنَا، وَمِنْ السُّنَّةِ) الصحابي لا يطلق"من السنة"إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {جَرَتْ السُّنَّةُ أَوْ مَضَتْ السُّنَّةُ بِكَذَا. كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ} ضعيف.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَوْلِ أَنَسٍ مِنْ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فلا يُعرف قوله: من السنة إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.