قال: والخلاف في غير أبي بكر. يعني: الاحتمال هذا وارد في غير أبي بكر.
إذا قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أُمرنا ونُهينا. فليس ثَم إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن ثم خليفة قبل أبي بكر، لكن في عهد عمر يحتمل، أو في عهد أبي بكر .. غير أبي بكر يحتمل أُمرنا ونُهينا أن يكون الآمر والناهي أبو بكر، لكن ليس من عادة الصحبة بالاستقراء التام أنهم يعبرون بأمُرنا ونُهينا ويريدون به أبا بكر أو عُمر أو عثمان أو علي، لا يريدون به واحدًا من الخلفاء.
وإنما مردهم في ذلك إلى المشرِّع وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
حينئذٍ الاحتمالات هذه احتمالات ضعيفة، هي أشبه ما يكون باحتمالات عقلية، فحينئذٍ نقول: هذا بالاستقراء والعادة من فعل الصحابة: أنهم إذا قالوا: أُمرنا ونُهينا إنما أرادوا به النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان في زمن أبي بكر أو عُمر أو عثمان أو غيره.
ولذلك قال هنا: {وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ} -أي: الاحتمال- بجواب آخر {بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَعْرِضِ الاحْتِجَاجِ} .
هذا لا يستلزم، يعني: أن يكون ثَم مناظرة وأن يقول: أُمرنا ونُهينا.
لو وقع كذلك وحصل النزاع واحتج به الصحابي بقوله: أُمرنا ونُهينا قد يقال، لا يحتج ولا يستند إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الخبر ابتداءً هذا لا يدل على الاحتجاج.
قال: {فَيُحْمَلُ عَلَى صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّرْخِيصُ؛ تَبْلِيغًا عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ} احتمالًا ضعيفًا ترده العادة.
ولذلك قال: {لَكِنَّهُ بَعِيدٌ} .
يعني: هذا الاحتمال بعيد من شأن الصحابة.
{فَإِنَّ الْمُشَرِّعَ لِذَلِكَ هُوَ صَاحِبُ الشَّرْعِ} .
إذًا: مستند صحابي منه ما هو صريح ولا يحتمل الواسطة كسمعت وشافهني ورأيت .. ونحو ذلك.
ومنه ما يحتمل الواسطة، لكن الثاني كالأول .. محمولٌ على أنه لا واسطة.
(وَقَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ عَنْهُ يَرْفَعُهُ أَوْ يُنَمِّيهِ أَوْ يَبْلُغُ بِهِ أَوْ يَرْوِيهِ كَمَرْفُوعٍ صَرِيحًا) .
(وَقَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ عَنْهُ) عن الصحابي .. عن أبي بكرٍ (يَرْفَعُهُ أَوْ يُنَمِّيهِ أَوْ يَبْلُغُ بِهِ) النبي صلى الله عليه وسلم، هذا كأنه قال: قال صلى الله عليه وسلم.
كأن الصحابي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كلها بمعنى واحد، المراد أنه يسنده ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(وَقَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ عَنْهُ) {أَيْ عَنْ الصَّحَابِيِّ إِذَا رَوَى عَنْهُ حَدِيثًا} .
(يَرْفَعُهُ) الضمير يعود إلى الصحابي، رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني: أسنده، مر معنا الإسناد المراد به الرفع.
(أَوْ يَنْمِيْهِ) بمعنى الرفع.
{أَوْ يَنْمِيْهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} .
(أَوْ يَبْلُغُ بِهِ) البلوغ هو الوصول إلى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.