فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ. وَيُسَمَّى هَذَا عَرْضُ الْمُنَاوَلَةِ كَمَا أَنَّ سَمَاعَ الشَّيْخِ يُسَمَّى عَرْضَ الْقِرَاءَةِ.
وَهِيَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهِيَ الْمُنَاوَلَةُ مَعَ الإِجَازَةِ أَوِ الإِذْنِ. وَالرِّوَايَةُ بِهَذَا النَّوْعِ جَائِزَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الإِلْمَاعِ: جَائِزَةٌ بِالإِجْمَاعِ.
وَكَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ: لاَ شَكَّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ.
وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِلْمُنَاوَلَةِ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ مَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ: إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْحِجَازِ احْتَجُّوا عَلَيْهَا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا. وَقَالَ: وَلاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لَكِنْ أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى أَنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لاِحْتِمَالِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهُ عَلَيْهِ. فَتَكُونُ وَاقِعَةَ عَيْنٍ يَسْقُطُ فِيهَا الاِسْتِدْلال لِلاحْتِمَالِ.
قال: {وَصِفَةُ هَذَا النَّوْعِ: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ إِلَى الطَّالِبِ أَصْلَ مَرْوِيِّهِ} كتاب {أَوْ فَرْعًا مُقَابَلًا بِهِ} يعني: نسخة أخرى قوبلت على الأصل.
{وَيَقُولُ: هَذَا سَمَاعِي، أَوْ مَرْوِيِّي بِطَرِيقِ كَذَا فَارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَهُ عَنِّي، ثُمَّ يُمَلِّكُهُ إيَّاهُ بِطَرِيقٍ أَوْ يُعِيرُهُ لَهُ يَنْقُلُهُ وَيُقَابِلُهُ بِهِ} .
نعم، هذا جيد أن تكون نسخة مصححة عند الشيخ .. صححها على أهل العلم، ثم يناوله الطالب ويكون شيء ثابت، أما مجرد أوهام نقول: هذا لا يعتبر.
وَفِي مَعْنَاهُ: أَنْ يَجِيءَ الطَّالِبُ بِذَلِكَ إِلَى الشَّيْخِ وَيَعْرِضَهُ عَلَيْهِ، فَيَتَأَمَّلَهُ الشَّيْخُ الْعَارِفُ الْيَقِظُ. وَيَقُولُ: نَعَمْ هَذَا مَسْمُوعِي، أَوْ رِوَايَتِي بِطَرِيقِ كَذَا، فَارْوِهِ عَنِّي. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَأَنَّهَا مُنْحَطَّةٌ عَنْ رُتْبَةِ السَّمَاعِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَذَهَبَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَمْعٌ إلَى أَنَّهَا كَالسَّمَاعِ.
قال: (وَلاَ تَجُوزُ بِمُجَرَّدِهَا) .
يعني: {لاَ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِمُجَرَّدِهَا أَيْ: بِمُجَرَّدِ الْمُنَاوَلَةِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ وَلا إِذْنٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ} وهذا غريب.
يعني: لو كانت نسخة مصححة، قال له: خذ هذا الكتاب ولم يقل: أجزتُ. قال: لا يجوز أن يروي .. لا بد من الإجازة، وإذا قال له: أجزتكَ دون أن يعطيه كتاب مصحح جاز، وإذا أعطاه الكتاب المصحح قال: لا يجوز، ولذلك قيل: هذا عِيب على أهل الحديث.
(وَلاَ تَجُوزُ بِمُجَرَّدِهَا) .