قد يُعتبر ذلك في شأن تقديم الأمر على النهي؛ لأنه أحب إلى الباري جل وعلا من النهي، لكن علل هنا قال: {لانْقِسَامِ الْكَلامِ إلَيْهِمَا} إلى الأمر والنهي {بِالذَّاتِ} لأنه عين اللفظ افعل.
{لاَ بِاعْتِبَارِ الدَّلالَةِ وَالْمَدْلُولِ} .
لأن التقسيم إلى عام إنما هو النظر باعتبار المدلول، وكذلك الظاهر والمؤول، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين .. هذه كلها باعتبار مدلولات الألفاظ، وأما الأمر والنهي فهو باعتبار ذات اللفظ. هذا الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى {لاِنْقِسَامِ الْكَلامِ إلَيْهِمَا بِالذَّاتِ لاَ بِاعْتِبَارِ الدَّلالَةِ وَالْمَدْلُولِ} .
قال: (الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) .
مراده أن اللفظ المنتظم يعني: المؤلَّف والمركَّب من هذه الأحرف المسماة بـ: ألف ميم راء، ويقرأ بصيغة الماضي مفككًا"أَمَ رَ". هكذا يذكره الأصوليون، ولذلك لا يكتبونها أَمَرَ هكذا متصلة وإنما تُكتب مفكَّكَة (أَمَ رَ) .
قال: (الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) "أَمَرَ"حقيقة يعني: لا مجازٌ؛ لأن الذي يقابل الحقيقة هو المجاز، فمسمى الأمر لفظٌ.
قال: (فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) المراد بالقول: الصيغة.
والمراد بالمخصوص: الطالب للفعل وهو افعل وما جرى مجراه.
يعني: كل ما يدل على الأمر من صيغة.
فأمر مسماه في لسان العرب: القول المخصوص الذي هو اللفظ.
حينئذٍ مسمى اللفظ لفظٌ، كما تقول: الكلمة اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ.
اسم مسماه زيدٌ، زيدٌ هذا مسمى اسم، فحينئذٍ الاسم مدلوله هو اللفظ. حينئذٍ صدق اللفظ على اللفظ.
فقد يراد بالألفاظ المعاني كزيد مدلوله الذات المشخصة، وقد يراد باللفظ مسماه اللفظي، فحينئذٍ يُطلق اللفظ ويكون مسماه اللفظ كاسم.
اسمٌ حينئذٍ نقول: مسماه زيد، وفعل مسماه قام ويقوم وقم، وحرف مسماه في ومن وعلى وإلى ..
حينئذٍ اللفظ قد يكون مسماه معنى، واللفظ قد يكون مسماه لفظ آخر.
المراد الثاني هنا: أن أَمَرَ لفظٌ مسماه لفظ وهو صيغة: افعل. عندنا افعل مسمى وهي القول المخصوص، وأَمَرَ هو الاسم. هذا الذي عناه هنا.
(الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ) لا مجازٌ (فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) أي: الدال على اقتضاء فعلٍ.
ويعبّر عنه بصيغة: افعل نحو: (( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ ) ) [طه:132] يعني: قل لهم: صلوا، فأَمَر: صلُّوا.
فمسمى لفظ الأمر لفظٌ وهو القول المخصوص المعبّر عنه بصيغة افعل، وأما مسمى القول المخصوص فهو طلب الفعل جازمًا كان أو غير جازم.
إذًا: (الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) .
قال الشارح هنا: {فَالأَمْرُ لاَ يَعْنِي بِهِ مُسَمَّاهُ} يعني: المعنى الذي دل عليه أَمَر من حيث هو.
فَالأَمْرُ المراد به لفظه لا مسماه، ولذلك قيل: يُقرأ مفككًا كما ذكرنا سابقًا؛ لأن الذي يدل على مسمى اللفظ هو الشيء المفكَّك المنتظم من هذه الأحرف الثلاث"أَمَ رَ"الميم والراء؛ للإشارة إلى أن المراد لفظ الأمر أي: ما تركب من هذه المادة سواء كان بصيغة المصدر أو غيره.