ولو لم يُقرأ مفككًا لكان المتبادر مسماه؛ لأن كل حكمٍ ورد على اسمٍ فهو وارد على مسماه إلا لقرينة وهي هنا التفكيك المذكور، التفكيك بحسب اللفظ والخط أيضًا.
إذًا: لو كُتب"أمرٌ"هكذا متصلة لكان المراد به ما سيعرِّفه المصنف رحمه الله تعالى: اقتضاء إلى آخره.
وإذا كُتب"أم ر"حينئذٍ أُريد به مسماه من حيث الإطلاق الذي هو اللفظ.
{فَالأَمْرُ لاَ يَعْنِي بِهِ مُسَمَّاهُ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الأَخْبَارِ عَنْ الأَلْفَاظِ: أَنْ يَلْفِظَ بِهَا وَالْمُرَادُ مُسَمَّيَاتُهَا، بَلْ لَفْظَةُ الأَمْرِ هُوَ أَمْرٌ، كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ مُبْتَدَأٌ} في هذا التركيب، أو إن شئت قلت: زيدٌ اسم، اسم هذا لفظ. لو قيل لك ما مسماه؟ تقول: زيد .. نطقت به. إذًا: نطقت بمعنى أو بلفظ؟ بلفظ.
إذًا: مسمى اللفظ لفظ، وإذا قلت: ضرب فعلٌ ماضٍ، ما مسمى الفعل الماضي؟ ضرب. إذًا: نطقت بلفظ.
إذًا: مسمى اللفظ لفظ وليس بمعنى.
وكذلك"في"حرفُ جر، فحينئذٍ نطقت بلفظ ولم تنطق بمعنى.
إذًا: قد يُطلق اللفظ ويراد به مسماه اللفظي، ولا يراد به المعنى الذي هو مدلوله من جهة استعمال اللغة، ولهذا قلنا: إنه (حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) وهذا باتفاق.
يعني: استعمال أَمَرَ في القول المخصوص الذي هو افعل وما جرى مجراه هذا حقيقة باتفاق.
حينئذٍ افعل أمرٌ، ليفعل أمرٌ، صهْ أمرٌ، فضرب الرقاب أمرٌ .. هذه كلها أربعة أشياء عبّرنا عنها بلفظ أمر.
حينئذٍ نقول: أمرٌ مسماه افعل، والأمر مسماه ليفعل، والأمر مسماه صه، والأمر مسماه ضرب الرقاب. هذا الذي عناه المصنف رحمه الله تعالى؛ لأن النظر من حيث المعنى في الأمر هنا يُنظر فيه من جهتين: الجهة الأولى في النظر إلى مسماه الاستعمالي هنا، أن افعل أطلقها العرب وأردوا بها الأمر، فإذا قيل: وأمر أهلك. يعني: قل لهم صلوا.
كذلك يُنظر في حقيقة الأمر من حيث معناه كما تقول: زيدٌ مبتدأ، مبتدأ مسماه زيدٌ في هذا التركيب.
والمبتدأ له معنى آخر وهو: الاسم المرفوع .. إلى آخره، فحينئذٍ له معنى من حيث حقيقته، وله معنى من حيث الاستعمال هنا، فكلاهما صحيح، فيُطلق المبتدأ ويراد به مسماه اللفظي، ويطلق المبتدأ ويراد به معناه الحقيقي .. الاصطلاحي. وهذا كذلك في شأن الأمر.
(الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) .
وَهُوَ (نَوْعٌ مِنْ الْكَلَامِ) لأن الكلام يكون أمرًا، ويكون نهيًا، ويكون عامًا، ويكون خاصًا .. إلى آخره.
وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْكَلَامِ يعني: من أنواع الكلام .. قِسمٌ من أقسام الكلام.
{لأَنَّ الْكَلامَ هُوَ الأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ بِالإِسْنَادِ عَلَى إِفَادَةِ مَعَانِيهَا} يعني: اللفظ المفيد.
الكلام هو اللفظ المفيد، ثم يتألف الكلام من اسمين، ويتألف الكلام من فعلٍ واسم، فعل ماضي أو مضارع أو أمر، والأمر منه، كما تقول: قام زيدٌ، يقوم زيدٌ، قم يا زيد.
قم هذا هو مسمى الأمر الدال. إذًا: هو نوعٌ من أنواع الكلام، كما تقول: قام زيدٌ هذا نوع من أنواع الكلام، وهو مركبٌ من ماضٍ وفاعله.
ويقوم زيدٌ كذلك نوع من الكلام، وهو مركبٌ من مضارع وفاعله.