قال: {وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى إرَادَةِ امْتِثَالِ أَمْرٍ آخَرَ نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } كُنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، هذا إرادة امتثال أمرٍ آخر.
يعني: كن عبد الله المقتول لا القاتل، ففُهم من الجملة الأولى: كُن عبد الله المقتول لا المقتول. فأراد امتثال أمرٍ آخر دون الذي ذكره. ولا تكن عبد الله القاتل هذا مأخوذ كذلك من الجملة السابقة .. مدلول عليها.
{فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الاسْتِسْلامُ وَالْكَفُّ عَنْ الْفِتَنِ} .
هذه ثمانٍ وعشرون معنى، المعنى الحقيقي واحد وهو الوجوب .. الأول الذي صدّر به، وما عداه مما ذُكر ومما لم يُذكر مما وقع فيه النزاع أيُّ معنى من المعاني التي يذكرها أرباب المعاني وأهل اللغة غير الوجوب فهو مجازٌ.
مما يتعلق بالحكم الشرعي مما يُعبَّر عنه إنه مجاز: الندب والإباحة، فإذا قيل هذه صيغة افعل صُرفت عن الإيجاب إلى الندب. هذا مجاز؛ لأن ما احتاج إلى قرينة فرعٌ عما لا يحتاج إلى قرينة، حينئذٍ صار مجازًا والأصل هو الحقيقة.
قال: {فَهَذَا الَّذِي وَقَعَ اخْتِيَارُنَا عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَظَرٌ} .
وحتى الذي ذكره بعضه متداخل، لأنه قد يجتمعان وقد يفترقان.
ثم قال: (وَكَنَهْيٍ دَعْ، وَاتْرُكْ) دع واترك كنهيٍ.
النهي المراد به: الكف. يعني: قد يأتي الأصل في صيغة افعل الإيجاب، صلِّ يعني: أوجد الصلاة، ليست هي إعدام وكف.
قد يراد بصيغة افعل الكف في: اترك، اترك هذا صيغة افعل مدلولها الكف.
مر معنا أن متعلق النهي: كف النفس أو انتفاء الفعل .. على الخلاف.
إذًا: يراد بالنهي الكف. حينئذٍ الأصل في مدلول النهي الكف: لا تفعل، لا تترك، لا تقم، لا تجلس، لا تتحرك، لا تسكن .. هذه المراد بها الكف.
هذا الأصل في صيغة لا تفعل. صيغة افعل الأصل فيها الإيجاد وهو عدم الكف، لكن مر معنا أن الكف قد يكون فعلًا.
الكَفُّ فِعْلٌ فِي صَحِيْحِ الَمذْهَبِ ...
حينئذٍ قد يكون مدلول صيغة افعل هو الكف، ولذلك مثّل هنا: (دَعْ) دعْ هذه صيغة افعل، (اتْرُكْ) هذه صيغة افعل، كُفَّ، خلِّ .. هذه كلها صيغة افعل، ما المراد بها؟
نقول: المراد بها هي في معنى النهي، لكنه نهيٌ مدلولٌ عليه بصيغة افعل لا نهيٌ مدلولٌ عليه بصيغة لا تفعل، وهذا الذي عرَّفه في جمع الجوامع في حد الأمر.
هُوَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيرِ كَفِّ ... دُلَّ عَلَيْهِ لاَ بِنَحْوِ كُفِّي
الأمر ما هو؟ قال: هُوَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ. ثم الفعل منه كفٌ قال: غَيرِ كَفِّ. يعني: خرج النهي.
دُلَّ عَلَيْهِ الذي هو الفعل لا كف، دُلَّ عَلَيْهِ لاَ بِنَحْوِ كُفِّي، وذر وخلِّ ..
فإن دُل عليه بنحو كُفي فهو أمرٌ وليس بنهيٍ، وهذا الذي عناه المصنف هنا.
قال في المراقي:
هَذَا الَّذي حُدَّ بِهِ النَّفْسِيُّ ... وَمَا عَلَيْهِ دَلَّ قُلْ لَفْظِيُّ
لما عرّف الأمر:
هُوَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيرِ كَفِّ ...
قال: