فهرس الكتاب

الصفحة 951 من 1890

قال: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لاَ يَقْتَضِي تَكْرَارًا إِلاَّ بِقَرِينَةٍ. وَنَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.

وَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.

هنا ذكر أن القاضي أبا يعلى اختلف اختياره، لكن الظاهر أنه لم يختلف، نص ابن قدامة أن القاضي أبا يعلى أنه قال: يقتضي التكرار. يعني: رجَّح القول السابق: أنه يقتضي التكرار. وذكره ذلك في العدة أنه مذهبه، وجزم ابن قدامة بنسبته إليه.

قال: (وَفِعْلِ الْمَرَّةِ بِالاِلْتِزَامِ) لكن هذا غريب من صنع المصنف هنا؛ لأنه قال: (لِتَكْرَارٍ حَسَبِ الْإِمْكَانِ) ، قال: (وَفِعْلِ الْمَرَّةِ بِالاِلْتِزَامِ) هذا لا يجتمعان.

(وَلِتَكْرَارٍ حَسَبِ الْإِمْكَانِ وَفِعْلِ الْمَرَّةِ بِالاِلْتِزَامِ) .

هذا غلط؛ لأن فعل المرة بالالتزام ليس على القول بأنه للتكرار، وإنما هو على القول بأنه لمطلق الماهية -لطلب الماهية- لا باعتبار مرة ولا تكرارٍ.

حينئذٍ المرة كيف تحصل؟ صار هذا المعنى معنى كلي، ومعلوم أن المعاني الكلية وجودها في الخارج وجود في ضمن فرده، حينئذٍ لا يتحقق هذا المعنى الذهني إلا في فرد واحد، إما أن يدل عليه بالوضع، بأن يوضع اللفظ للمعنى الذهني مع مراعاة الفرد فيدل عليه حقيقة، وإما أن يدل على المعنى الذهني دون وضعٍ أو مراعاة للفرد الخارجي، وحينئذٍ يدل عليه بالالتزام. وهذا سيأتي الفرق بين المطلق والنكرة في محله إن شاء الله تعالى.

والصحيح هو هذا الذي قدمه المصنف .. بأنه يدل على المرة بالالتزام، لا لكونه للتكرار، وإنما لكونه لطلب الماهية فحسب.

فالصواب أن يقال: إن صيغة افعل باعتبار التكرار وعدمه إنما وضع لمطلق الماهية، لطلب فحسب دون تعرض لمرة أو تكرار، والمرة هذه ضرورة من ضرورياته؛ لأنه لا يمكن أن يوجد في الخارج إلا مرة واحدة.

وليس مدلوله المرة وإنما من ضرورياته المرة، ولذلك قال هنا: {فَعَلَى كَوْنِهِ لاَ يَقْتَضِي تَكْرَارًا يُفِيدُ الأَمْرُ طَلَبَ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِوَحْدَةٍ} الماهية المراد بها الصلاة مثلًا، قال: صلِّ، ما هي الماهية المطلوب إيجادها؟ الصلاة، صلِّ كم مرة؟ لم يتعرض وإنما أراد إيجاد هذه الماهية التي هي الصلاة وإخراجها من العدم إلى الوجود، دون تعرض لمرة ولا غيره.

هل يمكن أن يوجد هذه الصلاة دون مرة؟ الجواب: لا.

إذًا: صارت المرة من لوازمه لا من مدلوله، وهذا الذي نص عليه هنا المصنف.

قال: {فَعَلَى كَوْنِهِ لاَ يَقْتَضِي تَكْرَارًا يُفِيدُ الأَمْرُ طَلَبَ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِوَحْدَةٍ وَلا بِكَثْرَةٍ} الذي هو التكرار.

{إلاَّ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إدْخَالُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةُ فِي الْوُجُودِ} من العدم إلى الوجود {بِأَقَلَّ مِنْ مَرَّةٍ. فَصَارَتْ الْمَرَّةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الالْتِزَامِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت