(العقل الغريزي) قال الغزالي: هو الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية.
قال هنا: (كَالْمُدْرَكِ بِهِ) يعني: يختلف العقل كالمدرك بالعقل، يعني الذي يتعلق به العقل يتفاوت، كما أن العلم يتفاوت في نفسه بتفاوت المعلومات، كذلك العقل يتفاوت في نفسه بتفاوت ما يتعلق به العقل، لأن كمال الشيء ونقصه يُعرف بكمال آثاره وأفعاله ونقصها.
قال الشارح: {وَنَحْنُ نُشَاهِدُ قَطْعًا آثَارَ الْعُقُولِ فِي الآرَاءِ وَالْحِكَمِ وَالْحِيَلِ وَغَيْرِهَا مُتَفَاوِتَةً, وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ الْعُقُولِ فِي نَفْسِهَا. وَأَجْمَعَ الْعُقَلاَءُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: فُلاَنٌ أَعْقَلُ مِنْ فُلاَنٍ} هذا ثابت .. فلان أعقل من فلان، بل هو مشاهد بالحس، هذا تَنزُل به نازلة فيتعامل معها بما يوافق العقل والحكمة، وهذا على عكسه.
{أَوْ أَكْمَلُ عَقْلًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلاَفِ مَا يُدْرَكُ بِهِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلنِّسَاءِ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ إحْدَاكُنَّ مِثْلَ شَهَادَةِ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا} على خلاف في تفسير ذلك، لكن المراد هنا وصَفَ العقل بالنقصان، يعني: يحصل له شيء من النقصان، وكل ما كان قابلًا للنقص فهو قابل لضده وهو الزيادة والكمال.
{وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْعَقْلُ لاَ يَخْتَلِفُ} ، ابن عقيل وافق الأشاعرة وغيرهم.
{لأِنَّهُ حُجَّةٌ عَامَّةٌ يَرْجِعُ إلَيْهَا النَّاسُ عِنْدَ اخْتِلاَفِهِمْ وَلَوْ تَفَاوَتَتْ الْعُقُولُ, لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ لاَ يَخْتَلِفُ , وَإِنَّ التَّجْرِيْبِي يَخْتَلِفُ. وَحَمَلَ الطُّوفِيُّ الْخِلاَفَ عَلَى ذَلِكَ} والصواب أن الخلاف في المكتسب.
قال: (لاَ بِالْحَوَاسِّ وَلاَ الإِحْسَاسُ) يعني: ولا يختلف ما يدرك بالحواس. مر معنا أن ما يدرك بالحواس لا يسمى علمًا، لا يدخل في حد العلم، وقلنا: الصواب أنه يدخل باختلاف ما يدرك بالحواس، هنا قال: {لاَ يَخْتَلِفُ} يعني: ما يدركه زيد بحاسة البصر هو عينه ما يدركه عمرو بحاسة البصر، وما يدركه عمرو بحاسة السمع هو عين ما يدركه خالد بحاسة السمع، وهو فيه نظر .. فيه شيء من النظر.
{وَلاَ يَخْتَلِفُ أَيْضًا الإِحْسَاسُ نَفْسُهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: الإحْسَاسُ وَمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ لاَ يَخْتَلِفُ} نقول: الضرورة والمشاهدة لهذه المسائل تُثبت خلاف ما ذكره المصنف هنا، وما ذكره أبو يعلى.