فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 1890

قال: (وَيَخْتَلِفُ كَالْمُدْرَكِ بِهِ) يعني: العقول تختلف، وليس على مرتبة واحدة، لكن من عرَّف العقل بأنه العلم الضروري الذي يقع ابتداءً ويعم العقلاء لزم منه أن يكون الناس في العقل سواء، لا يختلفون، عقل زيد وعمرو .. وإلى آخره سواء، وهو مذهب المعتزلة والأشاعرة وابن عقيل من الحنابلة فوافقهم.

حينئذٍ نقول: مذهب المعتزلة والأشاعرة أن العقل هو العلم الضروري الذي يقع ابتداءً ويعم العقلاء، ينبني عليه: أن العقول .. عقول الناس البشر كلها متساوية، يعني: ليست متفاوتة، وليس عندنا أذكى .. زيد أذكى من عمرو هذا لا وجود له، وهذا باطل؛ لأن مبناه على تفسير العقل بأنه العلوم الضرورية فحسب.

وسبب قولهم قصرهم العقل على العلم الضروري، والصواب أنه يعم المكتسب النظري.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (العاشر) الواحد والعشرين من بعد المائة السابعة: الصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة وهو ظاهر مذهب أحمد وأصح الروايتين عنه وقول أكثر أصحابه: أن العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان. كما مر معنا في مسألة العلم هل يتفاوت أم لا؟ الصواب: أنه يتفاوت، وينبني عليه مسألة الإيمان هل يزيد وينقص؟ من قال: لا يتفاوت قال: لا يزيد ولا ينقص، وهنا كذلك العقل هل يزيد وينقص؟ الصواب أنه كذلك يزيد وينقص، وهو قول جماهير أهل السنة والجماعة.

قال: (وَيَخْتَلِفُ) يعني العقل، يعني يتفاوت من شخص إلى آخر، لكن مع ذلك الاختلاف على الصحيح أنه ثابت وهو موجود ومدرك بالحس، ودفعه مكابرة، دفعه يعتبر مكابرة، لكن عندهم أن العقل نوعان: عقل غريزي وعقل اكتسابي، غريزي قلنا: طبيعة، وهو غريزة، لكن حصر العقل في الغريزي باطل، وأما كون بعض العقل غريزي وبعضه مكتسب هذا صحيح ولا إشكال فيه، ولذلك الجماهير على أن العقل على نوعين: عقل غريزي، والغريزي ما يكون موجودًا مع المولود، يولد معه، المولود عاقل أم لا؟ نعم عاقل، ليس هو العقل الذي يرتبط به التكليف الشرعي لا، وإنما المراد معه شيء يميز به، قالوا: كعقله للارتضاع، يعلم من أن يرتضع، وكذلك أكل الطعام، وكذلك ضحكه مما يسره، المولود يضحك أو لا؟ يضحك، ضحك من ماذا؟ من شيء يسره علمت به أو لا، وبكاؤه ممَّا لا يهواه، وامتناعه ممَّا يضره، هذا كله حصل الميز بماذا؟ بالعقل، لكنه غريزي وهو على قدره.

ثم يزداد بعد ذلك وهو الاكتسابي .. النوع الثاني، وهو الذي ذكره صاحب القاموس فيما مضى.

قالوا: والعاقل إذا جُنَّ، ما الذي يذهب عنه؟ العقل الغريزي أو الاكتسابي؟

الاكتسابي الذي يذهب، أما الغريزي فيبقى، ولذلك يمشي، وقد يعتريه شيء في الطريق ويبتعد عنه، وقد يأكل .. يجوع، ويحتاج إلى دورة المياه، ويدخل ويخرج ويغتسل، هذا كله ميز، وحصل به انفصال، وقد يبتعد عن بعض ما يضره، ويفعل بعض ما ينفعه، ولكنه باعتبار العقل غريزي، فالذي يذهب ويفقده هو العقل المكتسب، وأما الغريزي فهو باق كغيره، فهو كالصبيان.

قالوا: والعاقل إذا جُن ذهب عنه العقل الاكتسابي، وبقي معه العقل الغريزي، يفعل ما يفعله الصبي، ولا فرق بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت