فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 1890

{وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ) )} يعني: يفهمون بها، {فَجَعَلَ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ} كالآية السابقة.

ثم قال: (( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ) [الحج:46] هذا نص واضح بين لا يحتاج إلى تأويل. أي: يتغطى على العقل الذي في الصدر.

إذًا: محله القلب، بدلالة الكتاب على ذلك.

قال: {وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ, وَالْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ لاَ تَكُونُ إلاَ فِي الْقَلْبِ} هذا وجه استدلال، والآية نص فيما ذكر.

قال: (وَلَهُ اتِّصَالٌ بِالدِّمَاغِ) وهذا جمع بين القولين، لأن بعضهم يرى أن محل العقل هو الدماغ، يعني الرأس، وبعضهم يرى أنه القلب، هنا جمع بين الأمرين، محله القلب يعني الأساس .. المركز، ثم له اتصال بالدماغ؛ لأن الإنسان يشعر بذلك.

(وَلَهُ) أي: للعقل الذي محله القلب؛ (اتِّصَالٌ بِالدِّمَاغِ) قيل: الدماغ: الرأس، وحشو الرأس من أعصاب ونحوها، وفيه المخ والمخيخ والنخاع المستطيل، ويجمع على: أدمغة.

{قَالَهُ التَّمِيمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي التَّحْرِيرِ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ فِي الدِّمَاغِ. وَقَالَهُ الطُّوفِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ} واحتجوا له بأن العقلاء تراهم يضيفون العقل إلى الرأس، فيقولون: هذا ثقيل الرأس، وهذا في دماغه عقل، وعكس .. يقولون: هذا فارغ الدماغ، وهذا ما في رأسه عقل، إذًا: أضاف العُقلاءُ العقلَ إلى الدماغ، وهذا استعمال الناس. وأجيب بأنه صحيح بسبب أن القلب يفيض العقل إلى القلب؛ لأن له اتصالًا بالدماغ، يعني جمع بين الأمرين، فمركزه ومحله الأساس هو القلب، وإذا دل النص على أن محله القلب حينئذٍ لا يُعترض عليه بمثل هذه المعاريض.

نقول: أخطأ الناس، إذا قال الناس: ليس في رأسه عقل نقول: أخطأ الناس، هذا التعبير ليس بصحيح، ولو نُسب إلى أهل اللغة، لماذا؟ لأن الأساس المعتمد هو النص، فإذا كان كذلك وكان نصًا واضحًا بينًا لا يحتمل التأويل وليس عندنا نص آخر من كتاب أو سنة يعارضه فنحتاج إلى الجمع بينهما فحينئذٍ نجعل الأصل هو النص، وما استعمله الناس يُعرض عليه، فإن وافقه حينئذٍ صُوِّبوا، وإلا خُطِّئُوا، ولا يُحتج على مخالفة النص بمقول الناس، كما قال أبو الحسن التميمي.

واحتجوا أيضًا بأنه إذا ضُرب على رأسه يزول عقله، ولو ضُرب على جميع بدنه لم يزل عقله، وأجيب: بأن الضرب على غيره يزيل العقل أيضًا. وهو كذلك.

وقيل: إن قلنا العقل جوهر كان في الرأس وإلا كان في القلب، يعني: تفصيل بين الأمرين، والقول بأن العقل جوهر قول باطل.

إذًا: الحاصل أن الصحيح أن محل العقل القلب، ولا مانع أن يقال بأن له اتصال بالدماغ، وأما أن محله الدماغ فليس بصحيح؛ لأنه مخالف للنص السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت