قال: (وَبَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ) يعني: العقل كما أنه يحصل به التمييز وأنه غريزة كذلك هو بعض العلوم الضرورية، أو البدهيات العقلية، وهي التي يتفق عليها جميع العقلاء، ثَمَّ معلومات كما ذكرناه سابقًا: ما لا يقبل التغيير ولا التشكيك، المعلومات .. العلم، وحينئذٍ ما لا يقبل التغيير ولا التشكيك هذا يستوي فيه الناس، كما ذكرنا الكل أكبر من الجزء، والجزء أقل من كذا .. إلى آخره، نقول: هذه لا تقبل التشكيك ولا التغيير، هذه من العلوم الضرورية والبدهيات التي لا يختلف فيها الناس البتة. هذه التي عناها المصنف هنا رحمه الله تعالى.
أو البدهيات العقلية التي يتفق عليها جميع العقلاء كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء .. إلى آخره، وكذلك العلم بالممكنات والواجبات والممتنعات، واقتصر عليه الفلاسفة وتبعهم على ذلك المتكلمون، وانبنى عليه ما ذكرناه سابقًا من أن العقل لا يتفاوت.
قال: (بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ) {عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرُ} وهذا لا إشكال فيه، إثباته من حيث كونه جزءًا من العقل لا إشكال فيه، لكن الخلاف في ماذا؟ في كون العقل هو بعض العلوم الضرورية، هذا ليس بصحيح.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، يُسْتَعَدُّ بِهَا لِفَهْمِ دَقِيقِ الْعُلُومِ, وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ، فَخَرَجَتْ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ} وهذا إن عُرِّف بهذا المعنى ففيه نظر.
{لأَنَّ الْعَاقِلَ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ عَاقِلًا, مَعَ انْتِفَاءِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ, وَإِنَّمَا قَالُوا: بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ؛ لأنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعَهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْعِلْمِ بِالْمُدْرَكَاتِ, لِعَدَمِ الإدْرَاكِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا غَيْرَ عَاقِلٍ} .
على كلٍ؛ هذا القول حصر العقل فيه غلط، وفيه متابعة للفلاسفة، وبنوا عليه قولهم الباطل: أن العقول لا تتفاوت.
(وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ) إذًا: بعدما بين لنا حقيقة العقل، وعرفنا أن تعريفه قاصر، وأن الصواب أن العقل هو الغريزة، وهو كذلك بعض العلوم الضرورية، وهو العلوم النظرية، وهو العمل بمقتضى العلم. أين محل العقل؟
قال رحمه الله تعالى مبينًا محل العقل، قال: (وَمَحَلُّهُ) أي: محل القلب .. مكانه الذي يحل به القلب، {عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالأَطِبَّاءِ} وإن كان نسبته إلى الأطباء فيه كلام.
{وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) )أَيْ: عَقْلٌ} لأن الذي يتذكر هو العقل.
{فَعَبَّرَ بِالْقَلْبِ عَنْ الْعَقْلِ , لأنَّهُ مَحَلُّهُ} وهو نوع من الأنواع المجاز الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
إذًا: (( إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) )الذي يتذكر هو العقل، فعبر بالقلب عن العقل لكونه محلًا له.