الرابع: يطلق العقل وهو أهمها كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: العمل بمقتضى العلم، هذا أكمل العقلاء، قال تعالى: (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [الملك:10] ولو كانوا لا يعقلون لما توجه إليهم تكليف البتة، وإنما المراد به هنا: العمل بالعلم، فالعمل بالعلم يدخل في مسمى العقل أيضًا، قال ابن تيمية: بل هو من أخص ما يدخل في العقل الممدوح.
إذًا: العقل يراد به هذه الأربعة المعاني كلها: غريزة، وهو بعض العلوم الضرورية، وهو كذلك العلوم النظرية، وهو كذلك العمل بمقتضى العلم، قد يطلق العقل ويراد به الجميع في وقت واحد، وقد يراد به بعض هذه المعاني المذكورة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْعَقْلُ) ما هو؟ (مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَيْزُ) يعني التمييز والفصل، الميز هو: الفصل والتمييز، بين ماذا؟ بين المعلومات، الحسن والقبيح، والرذيل والحقير، ونحو ذلك مما ذكره صاحب القاموس.
قال في شرح التحرير: {قَالَهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ شَامِلٌ لأكْثَرِ الأَقْوَالِ الآتِيَةِ, وَعَنْ الإمَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ: آلَةُ التَّمْيِيزِ} هو نفسه ما يحصل به التمييز هو آلة التمييز، الذي يحصل به التمييز ويميز به بين ما ينفع وبين ما يضر وبين الحسن والقبيح يسمى عقلًا.
قال: (وَهُوَ غَرِيزَةٌ) قال في القاموس: الغريزة الطبيعة، إذًا: بعض العقل يكون ماذا؟ يكون غير مكتسب، (طبيعة) يعني هكذا خلق، كشأن ماذا؟ غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، كما أنه جُعل له لسان بالطبيعة يتكلم به وله بصر ينظر إليه وسمع يدرك به المسموعات كذلك له عقل يدرك به، وهذا لا إشكال فيه، كما قال صاحب القاموس: يكون مع الجنين منذ أن يكون جنينًا.
إذًا: (وَهُوَ غَرِيزَةٌ) يعني: طبيعة، وهي التي يمتاز بها عن سائر الحيوان.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ} وهذا في نسبته إلى الإمام أحمد فيه نظر، يعني: لم يثبت عنه، لكن هذا شاع وذكروه في أصله.
{وَقَالَهُ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ, فَقَالَ: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ لَيْسَ مُكْتَسَبًا} إن كان المراد حصر العقل في الغريزي فليس بصحيح، وإن كان المراد به أن بعض العقل يكون غريزة فالأمر كما هو.
وأما قوله: {لَيْسَ مُكْتَسَبًا} هذا قد يوهم بأنه أراد حصر العقل في الغريزي، لأنه قال: {لَيْسَ مُكْتَسَبًا} وليس كذلك، بل منه هو ما هو مكتسب ومنه ما هو وهبي، {بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُفَارِقُ بِهِ الإِنْسَانُ الْبَهِيمَةَ, وَيَسْتَعِدُّ بِهِ لِقَبُولِ الْعِلْمِ, وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ, فَكَأَنَّهُ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ كَالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ, وَالصِّبَا وَنَحْوُهُ حِجَابٌ لَهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: إنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ, كَالضَّرُورِيِّ} وفيه نظر.