(فَصْلٌ: الْعَقْلُ: مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَيْزُ، وَهُوَ غَرِيزَةٌ وَبَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ) ، {لَمَّا كَانَتْ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ وَالنَّظَرِيَّةُ لاَ تُدْرَكُ بِدُونِ الْعَقْلِ أَخَذَ -المصنف رحمه الله تعالى- فِي الْكَلاَمِ عَلَيْهِ} يعني لماذا ذكر هذا الفصل؟ لأنه سبق معنا أن العلم نوعان: ضروري ونظري، هل يمكن أن يدرك الضروري بغير العقل؟ الجواب: لا، هل يمكن أن يدرك النظري المكتسب بغير العقل؟ الجواب: لا. إذًا: ما هو العقل؟ فاستطرد المصنف وذكر العقل.
العقل في اللغة: المنع والحبس، وسمي العقل عقلًا؛ لأنه يمنع صاحبه عن ذميم القول والفعل، وعن التورط في المهالك. هكذا قالوا. فالعاقل سمي عاقلًا نسبة إلى العقل، لأنه يمنعه عن الأخلاق الرذيلة ونحوها، يقال: عقل عقلًا .. أدرك الأشياء على حقيقتها، وعقل الغلام .. ميز، إذًا: يطلق العقل ويراد به الميز .. التمييز، ولذلك قال الماتن هنا: (الْعَقْلُ: مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَيْزُ) إذًا: عقل الغلام: ميَّز، وعقل الشيء: أدركه على حقيقته، والعاقل هو: المدرك، والعقل: ما يكون به التفكير والاستدلال، ما يكون يعني ما يحصل به التفكير والاستدلال، فمحل الفكر هو العقل، ومحل الاستدلال في الأصل هو العقل، وتركيب التصورات والتصديق، ويتميز به الحسن من القبيح، والخير من الشر، والحق من الباطل، يجمع على عُقول.
قال في القاموس -المعاني اللغوية هنا-، قال في القاموس: العقل: العلم، يعني يطلق العقل ويراد به العلم، أو: العقل بصفات الأشياء من حَسنِها وقبِيحها، أو من حُسْنِها وقُبْحِها، وكمالها ونقصانها، أو: العلم بخير الخيرين وشر الشرين، أو مطلق لأمور، أو لقوة بها يكون التمييز بين القبح والحسن، ولمعانٍ مجتمعة في الذهن يكون بمقدمات يستتب بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه، والحق: أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية -لم يخالف أهل السنة-، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد -كونه جنينًا-، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. هكذا بنصه في القاموس.
وحينئذٍ قول المصنف رحمه الله تعالى: (الْعَقْلُ: مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَيْزُ وَبَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ) هو بعض معنى العقل وليس كل معنى العقل، لأن العقل يطلق على معانٍ أربعة، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى متابعًا فيه أبا حامد الغزالي. يطلق على معان أربعة: الأول: الغريزة، سينص عليها المصنف.
الثاني: بعض العلوم الضرورية، وهذا نص عليه المصنف، خلافًا للفلاسفة والمتكلمين حصروا العقل في هذا النوع، قالوا: العقل هو: العلوم الضرورية، واختلفوا كلها أو بعضها، وينبني عليه: أن العقول لا تتفاوت، لا يقع بينها التفاوت.
المعنى الرابع: العلوم النظرية المكتسبة، فيطلق العقل ويراد بها هذا المعنى، وهي التي تحصل بالنظر والاستدلال، وهي تدعو الإنسان إلى فعل ما ينفعه وترك ما يضره، يعني: العلوم النظرية .. المكتسبة.