ولعله يرى أنه إذا كان مبلغًا لا يسمى آمرًا، ولذلك قال: {لأَنَّهُ مُبَلِّغٌ لاَ آمِرٌ} فرّق بينهما، والصواب الاتحاد.
{لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: مُرْ عَبْدَك بِكَذَا مَعَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: لا تَفْعَلُهُ. أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ} ولا يُعد تناقضًا.
يعني: لو قال لزيدٍ من الناس: مر عبدك بكذا، فجئتُ للعبد وقلت: لا تطعه. هل هذا تناقض؟ ليس تناقضًا، لو كان أمري للعبد مباشرة صار تناقضًا، لو عُد أمري للسيد بأن يقول لعبده كذا وكان أمري للعبد صار تناقضًا، لكن متى لا يكون تناقضًا؟ إذا كان قوله: مُر عبدك بكذا إنما هو للسيد فحسب، ولا يتعدى المأمور أن يكون في العبد.
وقوله للعبد: لا تَفْعَلُهُ، إنما كان مباشرة، إذًا: فرقٌ بينهما.
قال: {لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: مُرْ عَبْدَك بِكَذَا مَعَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ:} والمحل واحد هنا، وإن كان ظاهر كلام المصنف: عدم الاتحاد. لا، المراد شخصٌ واحد. أقول لزيدٍ من الناس مر عبدك بكذا، ثم آت أنا بنفسي -نفس الآمر- أقول للعبد: لا تطعه، أو لا تفعله. هل يعد تناقضًا؟ لا يعد تناقضًا.
لو كان أمري لزيد أن يأمر عبده أمرًا مني للعبد مباشرة لكان تناقضًا وليس بتناقض.
قال وبناء على ما ترجح في المسألة السابقة فإن قَوْلهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) )هل هذا أمرٌ لهم بالإعطاء صدقة؟ لا. بناء على القاعدة السابقة: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) )هل هذا فيه إيجاب لهم على الإعطاء بهذا النص؟ الجواب: لا، لا يُعتبر.
ولذلك قال هنا: {لَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا لَهُمْ بِإِعْطَاءٍ} يعني: بإعطاء الصدقة، مع أنه واجب، لكن وجوبه لا من هذا النص، بل بدليلٍ آخر، الصدقة المراد بها الواجبة هنا.
بل وجوبه بدليلٍ آخر موجب لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سائر العمومات.
إذًا: ينبني على ما ترجح في المسألة السابقة: فإن الآمر لو أوجب على المأمور أن يأخذ مالًا من غيره لا يكون ذلك إيجابًا للإعطاء على ذلك الغير. لو قلت لزيد: خذ مالًا من عمروٍ. يا زيد! خذ مالًا من عمروٍ.
هل هذا أمرٌ مني لعمروٍ بإعطاء المال؟ لا. ليس أمرًا، هذا مثله: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) )، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ من أموالهم، هل هو أمرٌ لهم بالإعطاء؟ الجواب: لا. ينبني على المسألة السابقة.
{وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ) )لَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا لَهُمْ بِإِعْطَاءٍ} .
وإن كان واجبًا لكن وجوبه لا يؤخذ من هذه الصيغة، بل من أمرٍ خارجٍ عنه.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَمْ يُعَلِّلْهُ وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَجِبُ عَلَيْهِمْ الإِعْطَاءُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الأَمْرَ بِالأَخْذِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ يتوقف عليه هذا من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهو منفكٌ عن النص.