لا إشكال أنه يجب عليهم الإعطاء، لكن لا بهذا النص وإنما من نصٍ آخر أو قاعدة أخرى.
{فَيَجِبُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُقَدِّمَةَ الْوَاجِبِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلاةِ. وَإِنْ اخْتَلَفَ الْفَاعِلُ هُنَا فَيَكُونُ كَالأَمْرِ لَهُمْ ابْتِدَاءً} .
على كلٍ: يجب عليهم الإعطاء، لكن لا بهذا النص وإنما من نص أو قاعدة أخرى منفكة عن اللفظ.
(وَأَمْرٌ بِصِفَةٍ أَمْرٌ بِالْمَوْصُوفِ) .
هذا أمرٌ بالمبالغة، والمبالغة صفة، والموصوف الاستنشاق. هل الأمر بالمبالغة أمرٌ بالاستنشاق؟ قال: نعم؛ لأنه متضمنٌ لأمرين، حينئذٍ كل ما جاء الشرع معلقًا الحكم بالأمر على الصفة فهو أمرٌ بالموصوف.
قال: (وَأَمْرٌ بِصِفَةٍ) يعني: في فعلٍ ما، أو قولٍ ما، (أَمْرٌ) بالفعل نفسه كذلك، (الْمَوْصُوفِ) {نَصًّا} يعني: نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وهذا إنما يستقيم كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى بتنزيل هذه الصيغة أو هذه المسألة على أنه أمران. يعني: الأمر بالصفة يتضمن الأمر بالموصوف، فعندنا شيئان: أمرٌ بالصفة وأمرٌ بالموصوف.
إذا دل الدليل على أن الصفة ليست واجبة كالمبالغة، حينئذٍ يبقى الأصل في الأمر بالموصوف.
وهل نقول بأنه أمرٌ بشيئين أو هو متضمنٌ لأمرين، هل هو أمرٌ بفعلين أو هو أمران؟ هل بينهما فرقٌ أم لا؟
هل هو أمرٌ بفعلين أو هما أمران؟
على خلافٍ فيه -فيه خلاف-، لكن ما الذي يتصوره الذهن هنا: هل هو أمران أو أمرٌ بفعلين؟
لأنك إذا قلت: أمرٌ بفعلين، إذا دلت القرينة على أنه في أحد الفعلين مستحب كان في الثاني مستحبًا، وهنا صائمًا هذا مطلق يشمل الفرض والنفل، حينئذٍ تُترك المبالغة لأجل الندب ولا يترك الواجب لأجل الندب، فدل على أن المبالغة مستحبة؛ لأنه لا يُترك الواجب لمستحب، وقال: صائمًا. هذا مطلق شمل الواجب والمستحب.
حينئذٍ تركَ المبالغة في الاستنشاق لأجل الندب، ولا يُترك الواجب للندب، وإنما الواجب يُترك لواجب.
إذًا: دلت القرينة على أن المبالغة مستحبة، إذا قلنا أمرٌ بفعلين حينئذٍ نقول: إذا دلت القرينة على أن الصفة مستحبة كانت هي بعينها صارفة للأصل الذي هو الموصوف فكان مستحبًا، فيلزم حينئذٍ أن يكون الاستنشاق مستحبًا، هذا إذا قلنا أمرٌ بفعلين، فثبتت القرينة الدالة على أن أحد الفعلين مستحب وليس بواجب، لزم منه أن يكون الفعل الآخر مستحبًا كذلك، وإذا قلنا هو أمران وقامت القرينة على أن أحد الأمرين مستحب يبقى الثاني على أصله، وهو أنه واجب. وهذا الذي قدمه المصنف هنا .. أن قوله: (وَأَمْرٌ بِصِفَةٍ أَمْرٌ بِالْمَوْصُوفِ) لأنه متضمنٌ لأمرين:
الأمر الأول: أمرٌ بالموصوف الذي هو الاستنشاق.
الأمر الثاني: الذي هو أمرٌ بالصفة، دلت القرينة على أن الصفة مستحبة، وبقي ذاك على أصله الذي هو أصل الفعل.