فمقصود الشارع من جميع المنهيات هو: إعدامها وعدم الوقوع فيها البتة، فإذا صححناها حينئذٍ صرنا منازعين لما أراده الشارع من المنهيات، وهذا فاسد. هذا أولًا.
دليلٌ ثاني: {لأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا مَعَ رَبْطِ الْحُكْمِ بِهَا يُفْضِي إِلَى التَّنَاقُضِ فِي الْحِكْمَةِ؛ لأَنَّ نَصْبَهَا سَبَبًا يُمَكِّنُ مِنْ التَّوَسُّلِ، وَالنَّهْيُ يَمْنَعُ مِنْ التَّوَسُّلِ} .
هذا تناقض؛ {لأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا مَعَ رَبْطِ الْحُكْمِ بِهَا} يعني: صحتها .. إذا حكمنا بصحتها {يُفْضِي إلَى التَّنَاقُضِ} ؛ لأن الشرع لم يُرد المنهي عنه.
فحينئذٍ إذا صححناه قلنا: إرادة المنهي عنه. هذا تناقض يعتبر، ولذلك المقصود: هو أن النهي عن الشيء يقتضي الكف عنه وتركه، هذا الأصل فيه.
وتصحيح الحكم الذي أشار إليه بقوله: {مَعَ رَبْطِ الْحُكْمِ بِهَا} . يعني تصحيح الحكم مع هذه المنهيات يقتضي عدم الكف عنه وتركه، وهذا تناقض.
فما أراد الشارع من تحريم نكاح المشركات إلا الكف وترك هذا النكاح، وإذا صححناه صار تناقض مع هذا. كفٌ وعدم الكف، تركٌ وعدم الترك. حينئذٍ نكون مناقضين للشرع.
قال: {لأَنَّ نَصْبَهَا سَبَبًا} يعني للملك ونحوه أو الحل.
{يُمَكِّنُ مِنْ التَّوَسُّلِ} بالفعل .. أنت لو نظرت إلى أحوال الناس وقلت: هذا البيع باطل، لا يُقدم عليه الناس، لكن لو قلت: صحيح مع الإثم فحينئذٍ يقدم عليه وأستغفر الله العظيم. يعني: يستغفر ويقدم عليه، هذا صار تناقض مع الشارع، مقصود الشارع هو إعدام هذه المنهيات.
وتصحيحها وربط الحكم بها، هذا يقتضي إبقاءها وحفظها، وهذا باطل.
{لأَنَّ نَصْبَهَا سَبَبًا يُمَكِّنُ مِنْ التَّوَسُّلِ، وَالنَّهْيُ يَمْنَعُ مِنْ التَّوَسُّلِ} وهذا تناقض.
دليلٌ ثالث: {وَلأَنَّ حُكْمَهَا مَقْصُودُ الآدَمِيِّ وَمُتَعَلِّقُ غَرَضِهِ، فَتَمْكِينُهُ مِنْهُ حَثٌّ عَلَى تَعَاطِيهِ. وَالنَّهْيُ مَنْعٌ مِنْ التَّعَاطِي} هذا تصريحٌ بما دل عليه السابق، إذا قلت: هذا صحيح. فحينئذٍ فيه حثٌ على أن يتعاطى، لو قلت: ممنوع .. باطل لا يترتب عليه أثر، حينئذٍ حصل انفكاك عند الآدمي.
{وَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْسُدْ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَزِمَ مِنْ نَفْيِهِ -يعني: المنهي عنه- لِكَوْنِهِ مَطْلُوبَ التَّرْكِ بِالنَّهْيِ حِكْمَةٌ لِلنَّهْيِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ لِكَوْنِ الْفَرْضِ -وفي التحبير الغرض- جَوَازَ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّتُهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ} ولعله: حِكْمَةٌ الصِّحَّةِ {وَذَلِكَ بَاطِلٌ} .
هذه الجملة فيها ركاكة، أخذها من ابن مفلح في أصوله الجزء الثاني صفحة سبعمائة وثلاثة وثلاثين قال ابن مفلح -والمعنى واحد-: ولأن النهي طلب ترك الفعل، ولا يخلو من حكمة.
ولا يخلو النهي من حكمة، كل نهيٍ لا بد أنه مرتبط بحكمة.
ثم قال: لو خلى عن حكمة يعني: لو هذه لا تفيد الوقوع، وإنما لو خلى عن حكمة فنادرٌ، والحكم للأغلب.
إذًا: لا نهي إلا بحكمة.
قال رحمه الله تعالى -وهي الجملة التي نقلها هنا-: فلو لم يفسد -يعني: المنهي عنه- لزم لنفي المنهي عنه حكمةٌ للنهي، ولثبوته حكمة لصحته.