يعني: لو لم يفسد المنهي عنه لزم لنفي المنهي عنه حِكمةٌ للنهي يعني: أنه لا يكون إلا لحكمة، سواء قلنا: كل نهيٍ يقتضي الحكمة أو قلنا الأغلب .. هذا أو ذاك.
ولثبوته حكمةٌ للصحة يعني: إذا أثبتناه وافقنا حكمة الصحة، وإذا أعدمناه وافقنا حكمة النهي، واللازم باطل؛ لأنهما إن تساويا أو رجَحت حكمة الصحة امتنع النهي لخلوه عن الحكمة، وإلا امتنعت الصحة لعدم حكمتها.
قال: {أَمَّا الْمُلازَمَةُ: فَلاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ الْحِكْمَةِ. وَأَمَّا بُطْلانُ الثَّانِي -الذي هو الملازمة-: فَلأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا يُؤَدِّي إلَى خُلُوِّ الْحُكْمِ عَنْ الْحِكْمَةِ} اجتماعهما أي: اجتماع التصحيح وعدم الفساد.
{يُؤَدِّي إلَى خُلُوِّ الْحُكْمِ عَنْ الْحِكْمَةِ وَهُوَ خَرْقٌ لِلإِجْمَاعِ. لأَنَّ حِكْمَةَ النَّهْيِ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ أَوْ مَرْجُوحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً} الاحتمالات ثلاثة: حِكْمَةَ النَّهْيِ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ، أَوْ مَرْجُوحَةً، أَوْ مُسَاوِيَةً.
{وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ} يعني: مرجوحة أو مساوية لا راجحة {لاَمْتَنَعَ النَّهْيُ} لماذا؟ للقاعدة السابقة: أن الشارع إنما ينهى عما مفسدته خالصة أو راجحة، راجحة يعني: لا مرجوحة ولا مساوية، وهو كذلك هنا.
قال: {لاَمْتَنَعَ النَّهْيُ} يعني: لو لم تكن المفسدة راجحة لكانت مرجوحة أو مساوية، وإذا كانت المفسدة مرجوحة أو مساوية امتنع النهي .. لم ينه عنها الشارع.
{فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ، وَفِي رُجْحَانِ النَّهْيِ تَمْتَنِعُ الصِّحَّةُ} .
المراد هنا: أن الشارع لا يمكن أن يصحَّح ما نهى عنه البتة؛ لأن هذا النهي ما جاء إلا من أجل حكمة وهي: إعدامُ هذه المنهيات، ولئلا تقع البتة، وتصحيحها هذا فيه إبقاءٌ لها.
ثم قال: {وَأَمَّا دَلِيلُ الْفَسَادِ بِالْمُنَاقَضَةِ: فَلأَنَّ الْمُخَالِفِينَ} -يعني: الذين قالوا بأنه لا يقتضي الفساد- {أَبْطَلُوا النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ} وليس ثم إلا النهي.
{وَنِكَاحَ الْمَحْرَمِ} أبطلوه وليس ثم إلا النهي .. صيغة لا تفعل.
{وَالْمُحَاقَلَةَ، وَالْمُزَابَنَةَ، وَالْمُنَابَذَةَ، وَالْمُلامَسَةَ} كلها أنواع من أنواع البيوع وهي باطلة.
{وَالْعَقْدَ عَلَى مَنْكُوحَةِ الأَبِ لِقَوْله تَعَالَى: (( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ) )، وفي قوله: (( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) )وَالصَّلاةَ فِي الْمَكَانِ النَّجِسِ، وَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَحَالَةِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلا مُسْتَنِدَ إلاَّ النَّهْيِ} .
فيلزمكم في سائر المنهيات ما أبطلتم به هنا في هذا الموضع.
ثم قال رحمه الله تعالى: (أَوْ وَصْفِهِ) هذا النوع الثاني من أنواع المنهي عنه، وهو أن يكون النهي عنه لخارجٍ لكنه لوصفه اللازم له، وعلى المذهب كذلك أنه يقتضي الفساد، فلا فرق بين أن يكون المنهي عنه لذاته أو لوصفه، وهذا الوصف خارجٌ عنه لكنه لازمٌ له.