-تبيَّن مما تقدم أن من أراد أنْ يتصدق بجميع ماله الزَّائد عن نفقة من تجب عليه نفقته لا يمنع بشرطين تقدم ذكرها، واختاره شيخنا ابن عثيمين [1] ، واختاره الشيخ ابن جبرين [2] .
ويدل على ذلك:
1 -ثناء الله - عزَّ وجلَّ - على الأنصار بإيثارهم؛ حيث قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
2 -حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في قصة تصدُّق أبي بكر بجميع ماله، وقال حينما سأله النبي ?: (( ما تركت لأهلك؟ ) )، فقال:"تركت لهم الله ورسوله"، والحديث رواه أبو داود (1678) ، والترمذي (3675) ، وقال: حديث حسن صحيح.
3 -حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في قصة الرجل الأنصاري الذي أخذ ضيف النبي ? لبيته حينما قال: (( من يُضيف هذا؟ ) )، فأخذه الأنصاري، وليس عنده من الطعام إلا طعامه ولأهله وصبيانه، فنوَّمت امرأته صبيانها وأكل الضيف، ولم يأكلا، فقال النبي ? بعد ذلك: (( إن الله عجب من صنيعكما بضيفكما البارحة ) )، والحديث رواه البخاري (3798) ، ومسلم (2054) .
4 -حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، قال كعب - رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله: (( أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك ) ) [3] .
وظاهر هذه الأدلة أنَّهم لم يتركوا شيئًا لأهاليهم، والجواب عن ذلك أنَّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - والأنصار - رضي الله عنهم - في الآية تحقق فيهم الشَّرطان السابقان، فعندهم من التوكُّل والصبر الشيء العظيم، وأيضًا كانوا يؤملون نفقتهم في
(1) انظر:"الممتع"، 6/ 273.
(2) انظر: فتوى رقم: (5852) .
(3) رواه البخاري (2552) ، ومسلم (4973) .