إياهم بعطفه ورعايته، ولا عبرة عندهم بما يلاقيه يوسف - عليه السلام - من وحشة الجب - على صغره وحداثة سنه - ولحظات الشدة والضيق، التي سيواجه فيها هذا الفزع الرهيب، ولا منقذ له ولا مغيث، والموت أدنى من شراك نعله، كذلك لم يكترثوا لحزن أبيهم - عليه السلام - بغياب يوسف عن عينيه.
ورحم الله بشار بن برد حين قال:
أَلا إِنَّ قَلبي مِن فِراقِ أَحِبَّتي ... وَإِن كُنتُ لا أُبدي الصَبابَةَ جازِعُ
وَدَمعِيَ بَينَ الحُزنِ وَالصَبرِ فاضِحي ... وَسِتري عَنِ العُذّالِ عاصٍ وَطائع [1]
قال القرطبي:"إن يعقوب - عليه السلام - لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقًا غليظًا ليحفظنه، وسلمه إلى روبيل وقال: يا روبيل! إنه صغير، وتعلم يا بني شفقتي عليه، فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فاسقه، وإن أعيا فاحمله، ثم عَجِّل بردِّهِ إليّ، قال: فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب - عليه السلام - يشيعهم ميلا ثم رجع، فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من الغيظ والعسف، فاستغاث بروبيل وقال:"أنت أكبر إخوتي، والخليفة من بعد والدي عليّ، وأقرب
(1) من (البحر الطويل) ، والأبيات لبَشّارِ بنِ بُرد، ينظر: العميدي: أبو سعد العميدي (المتوفى: 433 هـ) ،الإبانة عن سرقات المتنبي لفظًا ومعنى، تحقيق: إبراهيم الدسوقي البساطي، الناشر: دار المعارف، القاهرة - مصر، عام النشر: 1961 م (1/ 167) .