قال الألوسي:" {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} أي جعلنا له فيها مكانا، يقال: مكنه فيه أي أثبته فيه، ومكن له فيه: أي جعل له مكانا فيه، والمراد في المكان: المكانة والمنزلة" [1] .
إن المراد من التمكين في الأرض في هذه الآية، هو ابتداؤه، وتقدير أول أجزائه، فنبي الله يوسف - عليه السلام - بحلوله محل العناية من عزيز مصر، قد خط له مستقبل تمكينه من الأرض بالوجه الأكمل والأتم، والذي أشار له بعد ذلك في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] ، حيث جاء هذا التمكين الأخير بمثابة تمام التمكين وكماله.
ويقول ابن عاشور:"كانت الإشارة إلى التمكين المستفاد من قوله: {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} تنويها بأن ذلك التمكين بلغ غاية ما يطلب من نوعه، بحيث لو أريد تشبيهه بتمكين أتم منه لما كان إلا أن يشبه بنفسه، والتقدير: مكنا ليوسف تمكينا كذلك التمكين" [2] .
وقوله - سبحانه وتعالى: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} ، أي مكنا له في الأرض لكي نعلمه من تأويل الأحاديث، يعني عبارة الرؤيا وتفسيرها، حيث أصبح لا شغل له ولا هم له سوى
(1) الألوسي: روح المعاني (6/ 399) .
(2) ابن عاشور: التحرير والتنوير (12/ 246) .