وقوع الصغائر غير صغائر الخسة منهم، ولكن جماعة كثيرة من متأخري الأصوليين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلًا لم يقع فعلًا، وقالوا: إنما جاء في الكتاب والسنة من ذلك أن ما فعلوه بتأويل، أو نسيانًا، أو سهوًا، أو نحو ذلك، والذي يظهر لنا أنه الصواب في هذه المسألة، أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، لم يقع منهم ما يزري بمراتبهم العلية، ومناصبهم السامية، ولا يستوجب خطأ منهم، ولا نقصًا فيهم صلوات الله وسلامه عليهم، ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب، فإنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة، والإخلاص، وصدق الإنابة إلى الله - عز وجل -، حتى ينالوا بذلك أعلى درجاتهم، فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئًا من ذلك، ومما يوضح هذا قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:121 - 122] .
فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله - عز وجل - عليه، واجتبائه، أي اصطفائه إياه، وهدايته له، ولا شك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب تلك الزلة" [1] ."
(1) الشنقيطي: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1415 هـ (4/ 119) .