وَمِن فَضلِهِ يَرعى ذِمامًا لِجارِهِ ... وَيَحفَظُ مِنهُ العَهدَ إِذ ظَلَّ راعيا
صَبورًا عَلى صَرفِ اللَيالي وَرُزئِها ... كَتومًا لِأَسرارِ الضَميرِ مُداريا
لَهُ هِمَّةٌ تَعلو عَلى كُلِّ هِمَّةٍ ... كَما عَلا البَدرَ النُجومُ الدَراريا [1]
وهذا ليس بمستغرب عن صفوة الخلق، وأئمة الهدى - صلوات الله عليهم أجمعين.
قال الجاحظ:"كان من كرم عفوه وثخانة حلمه - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة، لقد كان ذلك من أكمل الكمال وأوضح البرهان، وذلك أنه حين دخل مكة عنوة، وقد قتلوا أعمامه، وبني أعمامه، وأولياءه، وأنصاره، بعد أن حصروه في الشعاب، وعذبوا أصحابه بأنواع العذاب، وجرحوه في بدنه، وآذوه في نفسه، وسفهوا عليه، وأجمعوا على كيده، فلما دخلها بغير حمدهم، وظهر عليها على صغر منهم، قام خطيبًا فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أقول كما قال أخي يوسف: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} » [2] .."
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعضادتي الباب يوم فتح مكّة وقد لاذ الناس بالبيت، وقال: «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثمّ
(1) من (البحر الطويل) ، ينظر: حسين بن محمد المهدي: صيد الأفكار (1/ 541) .
(2) الجاحظ: البيان والتبيين، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت، عام النشر: 1423 هـ (2/ 21) .