قال ابن عاشور:"الأمن: حالة اطمئنان النفس وراحة البال، وانتفاء الخوف من كل ما يخاف منه، وهو يجمع جميع الأحوال الصالحة للإنسان، من الصحة، والرزق، ونحو ذلك، ولذلك قالوا في دعوة إبراهيم - عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم:35] ، إنه جمع في هذه الجملة جميع ما يطلب لخير البلد" [1] .
(رابعًا) : أن يوسف - عليه السلام - تجنب كل ما من شأنه تبكيت إخوته وتذكيرهم بالذنب، أو شعورهم بالخزي والعار، ويدل على ذلك قوله لأبيه: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف:100] .
فقوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} ، أي: أنعم علي ربي إذ أخرجني من السجن، ولم يقل من الجب مع أنه مظنة الهلاك، وأشد بلاء من السجن والحبس، استعمالا للكرم، لكيلا يخجل إخوته بعد ما قال لهم: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] ؛ ولأن نعمة الله - عز وجل - عليه في إخراجه من السجن أعظم، فبعد الخروج من الجب صار إلى العبودية والرق، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك والسلطان.
قال ابن عطية:"وذكر يوسف - عليه السلام - إخراجه من السجن، وترك إخراجه من الجب لوجهين:"
(1) ابن عاشور: التحرير والتنوير (13/ 55) .