فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 786

ولذلك فإن الناس يحبون أن يمدحوا بذكر أحب أسمائهم إليهم وذكر أجمل الأوصاف لديهم، فأي رجل عاقل اسمه سعيد أو صابر أو منصور أو صالح ، يحب أن تكون فيه صفة السعادة أو صفة الصبر والنصر والصلاح، وأي امرأة عاقلة اسمها سارة أو جميلة أو هنية أو سعيدة أو زكية تحب ألا تكون ضارة أو قبيحة أو شقية أو حزينة أو غبية، ولا يسعد أحدا أبدا بقول قائل يمدحه: أنت لا صفة لك عندي، فيعتبر ذلك منه مدحا .

ومن المعلوم أنه لا يوجد عاقل يدعو ربه ويقول في دعائه: يا غني امنحني الغني وهو يعتقد أن الرب فقير موصوف بالفقر. وكذلك لا يوجد عاقل يدعو ربه ويقول في دعائه: يا قوي امنحني القوة وهو يعتقد أن الرب ضعيف موصوف بالضعف. ولا يوجد من يدعو ربه ويقول في دعائه: يا عليم علمني وهو يعتقد أن الرب جاهل موصوف بالجهل. وكذلك لا يوجد عاقل يدعو ربه ويقول في دعائه: يا نصير الضعفاء انصرني؛ فأنت الإله القوي القدير، وهو يعتقد أن الرب عاجز مقيد ضعيف مهزوم .

وإذا كان الإنسان لا يقبل هذا على نفسه، ولا يرضى أن يقال ذلك في وصفه، بل إذا دعته الحاجة إلى أن يستدين فإنه يبحث عن أغنى أصدقائه، ويتودد لمن يملك من أحبائه مالا كثيرا، ولا يطلب عاقل قرضا بمئات الآلاف ممن لا يملك إلا ألفا أو كان معدما فقيرا.

وقس على ذلك الاستعانة بالآخرين في طلب الملك والعزة والحياة والقدرة، والفداء والنصرة، والخلاص والقوة، والشفاء والرحمة، والحفظ والرفعة، والصلاح والصنعة، والمراقبة والحكمة، والنجاة من الهلاك، والحماية من بطش هذا وذاك، وغير ذلك من دواعي الضرورة، لا يمكن أن نطلب العزة من ذليل، ولا نطلب الحياة ممن لا يقدر عليها لنفسه أو لغيره، ولا نطلب القدرة من عاجز، ولا الفداء ممن لا يفدي نفسه، ولا النصرة من مهزوم ، ولا الصنعة من مبتدئ فيها ومن ليس له خبرة، ولا الخلاص ممن لا يخلص نفسه، وقس على ذلك المنطق نظرة جميع العقلاء في الحياة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت