فهرس الكتاب
ومن حكمة الله عز وجل في خلقه ومن كمال أفعاله فيهم ليعلموا عظمة كل اسم أو وصف من وصفه، أنه إن أعطى أحدا من عباده كمالا ابتلاه في الجمال، وإن أعطاه جمالا ابتلاه في الكمال، وإن أعطاه كمالا وجمالا ابتلاه في دوام الحال، فربما يبلغ المرء كمالا في الغني بحيث يفوق الآخرين فيه حتى يبلغ الوصف أعلاه؛ فيكون الأغنى في بلده، فهو غني بلغ الكمال الممكن في الغني، ولكنه في المقابل مريض بالسكر أو قبيح في المنظر أو جاهل أكبر، أو عقيم يشتهي الولد ويتمناه، فهو لا يتلذذ بماله أو غناه، أو مبتلى في ولده وزوجته، أو أهله وعشيرته، أو غير ذلك من أنواع البلاء التي تحل بأمثال هؤلاء .
وعلى العكس من ذلك تجد رجلا عالما ذكيا أو قويا فتيا، لكنه فقير مهان يبيت جوعان، ولا يجد ما يستر به الأبدان، وربما يموت في بيته ولا يشعر بموته إنسان .
وكذلك ربما تجد امرأة بلغت كمالا في الخلق والنسب، ولها منزلة كبيرة في الشرفِ والحسب، وعلى قدر كبير من العلم والفهم، وهي أبعد ما تكون عن الخيانة، وموصوفة بالصدق والأمانة، غير أنها قبيحة سوداء، أو دميمة بكماء، لا تسر أحدا من الناظرين، قد أعطاه الرب عز وجل وزادها من جهة الكمال، وابتلاها من جهة الجمال .
وعلى العكس من ذلك تجد امرأة جمالها يتغنى به الشبان، وقوامها نادر ما تراه العينان، لكنها تخون زوجها، ولا تصون عرضها، وهي عار على أهلها، وكل من في بيتها يتمني موتها خشية الفضيحة .
والله عز وجل لو أعطى أحدا من عباده كمالا وجمالا ابتلاه أيضا في دوام الحال؛ ومعلوم أن دوام الحال في الدنيا من المحال، فما يلبث أن يموت الرجل الطيب الكريم العادل والإمام الرحيم الحكيم الفاضل، أو ربما يحسده الحاسدون، ويحقد عليه الحاقدون، ويمكر له الماكرون ويسعى لقتله المجرمون .