فهرس الكتاب
وَلَيْسَ هَذَا عَامًّا فِي حَقّ كُلّ أَحَد وَإِنَّمَا هُوَ خَاصّ بِأَهْلِ الْخَيْر , وَأَمَّا غَيْرهمْ فَقَدْ يَكُون لِمَا يَقَع لأَحَدِهِمْ مِنْ الْمُصِيبَة فِي نَفْسه أَوْ أَهْله أَوْ دُنْيَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْء يَتَعَلَّق بِدِينِهِ.
وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم"لا تَذْهَب الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل عَلَى الْقَبْر فَيَتَمَرَّغ عَلَيْهِ وَيَقُول: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِب هَذَا الْقَبْر , وَلَيْسَ بِهِ الدِّين إِلا الْبَلاء"
وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم أَنَّهُ: (( يَقَع الْبَلاء وَالشِّدَّة حَتَّى يَكُون الْمَوْت الَّذِي هُوَ أَعْظَم الْمَصَائِب أَهْوَن عَلَى الْمَرْء فَيَتَمَنَّى أَهْوَن الْمُصِيبَتَيْنِ فِي اِعْتِقَاده ) )وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَذَكَرَهُ عِيَاض اِحْتِمَالًا.
وَأَغْرَبَ بَعْض شُرَّاح"الْمَصَابِيح"فَقَالَ: الْمُرَاد بِالدِّينِ هُنَا الْعِبَادَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَمَرَّغ عَلَى الْقَبْر وَيَتَمَنَّى الْمَوْت فِي حَالَة لَيْسَ الْمُتَمَرِّغ فِيهَا مِنْ عَادَته وَإِنَّمَا الْحَامِل عَلَيْهِ الْبَلاء.
وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ: بِأَنَّ حَمْل الدِّين عَلَى حَقِيقَته أَوْلَى , أَيْ لَيْسَ التَّمَنِّي وَالتَّمَرُّغ لأَمْرٍ أَصَابَهُ مِنْ جِهَة الدِّين بَلْ مِنْ جِهَة الدُّنْيَا.
وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ. ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض لِلنَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا فِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْقَدْر سَيَكُونُ لِشِدَّةٍ تَنْزِل بِالنَّاسِ مِنْ فَسَاد الْحَال فِي الدِّين أَوْ ضَعْفه أَوْ خَوْف ذَهَابه لا لِضَرَرٍ يَنْزِل فِي الْجِسْم , كَذَا قَالَ , وَكَأَنَّهُ يُرِيد أَنَّ النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت هُوَ حَيْثُ يَتَعَلَّق بِضَرَرِ الْجِسْم , وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِضَرَرٍ يَتَعَلَّق بِالدِّينِ فَلا. وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيَاض اِحْتِمَالًا أَيْضًا
وَقَالَ غَيْره: لَيْسَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَر وَحَدِيث النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت مُعَارَضَة , لِأَنَّ النَّهْي صَرِيح وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ إِخْبَار عَنْ شِدَّة سَتَحْصُلُ يَنْشَأ عَنْهَا هَذَا التَّمَنِّي , وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّض لِحُكْمِهِ , وَإِنَّمَا سِيقَ لِلإِخْبَارِ عَمَّا سَيَقَعُ.