فهرس الكتاب
الثالثة: الرضا، وهو أعلى من ذلك، وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدرة وإن كان قد يحزن من المصيبة، لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر، أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل، إن أصيب بنعمه أو أصيب بضدها، فالكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت، بل لتمام رضاء ربه سبحانه وتعالى يتقلب في تصرفات الرب عز وجل، ولكنها عنده سواء، إذ إنه ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، وهذا الفرق بين الرضا والصبر.
الرابعة: الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة، وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها، وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما يصيب المؤمن من هو ولا غم ولا شيء إلا كفر له بها، حتى الشوكة يشاكها) كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك. [1]
كثيرًا ما يصاحب النياحة على الميت بعض الأفعال التي يقوم بها الناس لإظهار الحزن والمبالغة فيه، وهي أفعال قبيحة، لا تظهر سوى الجزع والسخط، وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأفعال، ونبه على أنها من أفعال الجاهلية، وحرمها على أمته تحريمًا جازمًا.
عن أبي بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ:
(( وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَصَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ
(1) القول المفيد (2/ 62)