فهرس الكتاب
مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَوْتَى قِسْمَانِ: مُسْتَرِيح وَمُسْتَرَاح مِنْهُ
وَنَصَب الدُّنْيَا: تَعَبهَا.
وَأَمَّا اِسْتِرَاحَة الْعِبَاد مِنْ الْفَاجِر مَعْنَاهُ: اِنْدِفَاع أَذَاهُ عَنْهُمْ , وَأَذَاهُ يَكُون مِنْ وُجُوه مِنْهَا: ظُلْمه لَهُمْ , وَمِنْهَا اِرْتِكَابه لِلْمُنْكَرَاتِ فَإِنْ أَنْكَرُوهَا قَاسُوا مَشَقَّة مِنْ ذَلِكَ , وَرُبَّمَا نَالَهُمْ ضَرَره , وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ أَثِمُوا. وَاسْتِرَاحَة الدَّوَابّ مِنْهُ كَذَلِكَ ; لأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهَا وَيَضُرّ بِهَا وَيُحَمِّلهَا مَا لا تُطِيقهُ , وَيُجِيعهَا فِي بَعْض الأَوْقَات وَغَيْر ذَلِكَ. وَاسْتِرَاحَة الْبِلاد وَالشَّجَر , فَقِيلَ: لأَنَّهَا تُمْنَع الْقَطْر بِمُصِيبَتِهِ , قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ. وَقَالَ الْبَاجِيّ: لأَنَّهُ يَغْصِبهَا وَيَمْنَعهَا حَقّهَا مِنْ الشُّرْب وَغَيْره. [1]
فالْفِتْنَة لَا يُؤْمَن مَعَهَا الْهَلَكَة.
عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ ) ) [2]
فموت المسلم على الإيمان والعمل الصالح سالمًا من الفتنة في دينه، خير له من التعرض إلى فتنة تفسد عليه دينه، فالتعرض للفتن لا يؤمن معه الهلاك
ولذلك لما زار النبي صلى الله عليه وسلم الأموات قبل وفاته هنأهم على موتهم وقد سَلِمَ لهم دينهم، وقبل نزول الفتن
عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ،
(1) شرح مسلم للنووي (2/ 368)
(2) رواه أحمد (22519) ، و أبو عمرو الداني في"الفتن" (179/ 1) و البغوي في"شرح السنة" (3/ 559 مخطوطة المكتب الإسلامي) ، وصححه الألباني في الصحيحة (813)