لن يدعكَ الشيطانُ تؤديه دون أنْ يتعرَّض لك، ويُوسوس لك، ويصرفك عما أنت مُقبِلٌ عليه.
وساعتها لن تستطيع منعه إلا إذا استعنت عليه بالله، واستعذتَ منه بالله، وبذلك تكون في معية الله منزل القرآن سبحانه وتعالى، وفي رحاب عظمة المنزل عليه محمد صدقًا، ومع استقبال ما في القرآن من إعجاز وآداب وأحكام.
وهذا واقع نراه في كثير من البلاد التي أخذت نعمة الله فبدلتها كفرًا، ويكون الكفر بنعم الله بمعنى ستر النعمة واستعمالها في معاصي الله.
والمثل القريب من الذاكرة"لبنان"التي عاشت إلى ما قبل الخمسينات كبلد لا تجد فيه فندقًا لائقًا، ثم ازدهرتْ وانتعشتْ في الستينات والسبعينات؛ واستشرى فيها الفساد؛ فقال أهل المعرفة بالله:"لابُدَّ أن يصيبها ما يصيب القرى الكافرة بأنعُمِ الله".
وقد حدث ذلك وقامت فيها الحرب الأهلية، وانطبق عليها قول الحق سبحانه:
{وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ ... } الأنعام 65
وقوله: لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ...
نعلم أن الجوع يظهر أولًا كإحساس في البطن، فإذا لم يجد طعامًا عوّض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا انتهتْ الشحوم تغذَّى الجسم على اللحم، ثم بدأ ينحت العظام، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوبًا، وعلى الجلد هُزَالًا وذبولًا، ثم ينكمش ويجفّ، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد، وكأنه لباس يرتديه الجائع.
وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وشُحوب لونه وتغيُّر بشرته، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض:
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا .. } البقرة 273
وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه.
وهكذا جَسَّد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية، وجعلها محسوسة تراها العيون، ولكنه أدخلها تحت حاسَّة التذوق؛ لأنها أقوى الحواسّ.
وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يُوحي بشمولهما الجسم كله، كما يلفّه اللباس فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط.
والخوف إما بسبب بأسهم فيما بينهم لأن عداوة بعضهم بعضًا شديدة، وإما أن يكون من عدو خارج عنهم. وهذا واقع معاصر.