لقد لفت أنظارنا سيدنا جعفر الصادق: ونبهنا إلى ما فيه الخير حيث يقول:
"عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ."
فإني سمعت الله عقبها يقول: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} .
وعجبت لمن اغتم، ولم يفزع إلى قوله: {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} .
فإني سمعت الله عقبها يقول: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذالِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} .
وعجبت لمن مُكر به، ولم يفزع إلى قوله: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} .
فإني سمعت الله عقبها يقول:- {فَوقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} .
وعجبت لمن طلب الدنيا ولم يَفْزَع إلى قوله تبارك وتعالى: {مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ} . فإني سمعت الله عقبها يقول:- {فعسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ} .
فإن كنت تريد ثمرة فابذل الجهد.
والمثل الذي أضربه دائمًا ـ ولله المثل الأعلى ـ نجد الفَلاَّح حين يزرع فدانًا بالقمح، فهو يأخذ من مخزنه إردبًا ليستخدمه كبذور في الأرض، ولو كانت امرأته حمقاء لا تعرف أصول الزراعة ستقول له: أنت أخذت من القمح، وكيف تترك عيالك وتنقصهم من قوتهم؟
هذه المرأة لا تعلم أنه أخذ من القمح المُخَزَّن؛ ليعود به بعد الحصاد أضعاف مضاعفة.
كذلك مطلوب الله سبحانه في الدّنيا قد يبدو وكأنه ينقصك أشياء، لكنه يعطيك ثمار الآخرة ويزيدها، وكما أنك تأخذ حظك من الثمار على قدر حظك من التعب ومن العمل، فذلك أمر الآخرة وأمر الدنيا.
فالدّنيا هي الوسيلةُ للدار الآخرة، والمزرعة التي نُعد فيها الزاد للقاء الله تعالى ..
إذن: الدنيا أهم من أنْ تُنسَى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفَهُ من أن تكونَ غاية في حَدِّ ذاتها.
صمام أَمْن اجتماعي في الكون، يقول للنّاس:
إياكم أن تأخذوا على غيركم حين تُقدمون إليهم جميلًا فيُنكرونه ..
وإياكم أنْ تكُّفوا عن عمل الجميل مع غيركم ..
لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يُزهدك إنكارهم للجميل في فِعْله، بل تمسَّك به لتكون من أهله.