والصوم أخذ حُكْمًا فريدًا من بين أحكام التكاليف كلها، والحق سبحانه جعل لكل تكليف من التكاليف (كادر محدد) في الجزاء إلا الصوم، لذلك قال عنه الحق سبحانه:
"إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به"فلماذا أخذ الصوم هذه المنزلة؟
قالوا: لأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يعبد بها بشرٌ بشرًا أبدًا، فمن الممكن مثلًا في شهادة أنْ لا إله إلا الله أنْ يأتي مَنْ يمدح آخر، فيقول أنت النافع وأنت الضار، وهناك من قال عن نفسه: أنا الزعيم الوحيد، كذلك في الصلاة نرى مَنْ يخضع ويسجد لغير الله، وكذلك في الزكاة نتقرب إلى العظيم أو الكبير بالهدايا له أو لمن حوله.
لكن، هل قال بشر لبشر: أنا أصوم شهرًا، أو يومًا تقرُّبًا إليك؟ لا .. لأن الصيام للغير سيُضطرّه لأنْ يظل طوال اليوم يراقبك، أكلتَ أم لم تأكل؟
ومن عظمة تكليف الصوم أيضًا أنه يخرجك من دوام العادة إلى لذة العبادة، فأراد تعالى أنْ يديم لذَّة التكليف على البشر ففرضَ الصومَ الذي يُحرِّم عليك اليوم ما كان مُحلَّلًا لك بالأمس، فإذا ما جاء يوم عيد الفطر أخرجك أيضًا إلى عبادة وجعله تكليفًا أنْ تفطر قبل الخروج للصلاة.
إنّ الصلاة من مالك الدعوة القادر على الإجابة رحمة وعطف وحنان، والصلاة ممَّنْ دونه كالملائكة دعاء للمالك للخير، أي يدعون الله للمؤمنين ويستغفرون الله لهم، بل ويبالغون في الدعاء ويتعطَّفون فيه: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ... } غافر 7 - 8
ووالله، لو أراد المؤمن أنْ يدعو لنفسه ما وجد أعمَّ ولا أشمل من دعاء الملائكة له،
فالصلاة من الله تعالى تعني الرحمة، والصلاة من الملائكة تعني الدعاء والطلب من الذي يملك.
الصلاة من الله هي رحمة شاملة وعامة، ويكفي من رحمته تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنْ جعله خاتم الرسل، فلا يستدرك عليه أحد، يكفيه من رحمته وإنعامه وثنائه عليه أنْ قرن اسمه باسمه؛ لذلك خاطبه بقوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} الشرح 4
يكفيه من تكريم الله له أنه سيقبل شفاعته يوم القيامة، لا لأمته فحسب، إنما للخَلْق