وهكذا فَعَلى الإنسان المؤمن أن يكون موصولًا بالمُسبِّب الأعلى، وأنْ يتوكل عليه سبحانه وحده، وأن يعلم أنْ التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح، وأنْ تتوكَّل القلوب؛ لأن التوكل عملٌ قلبي، وليس عملَ القوالب.
الإحسان إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء وليس تكليفًا أصيلًا؛ لأن الحق سبحانه قد أباح أن نرد العدوان بمثله، ثم حثَّ المؤمن على أن يكظم غيظه، أو يرتقي إلى العفو ويصل إلى الإحسان، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه وتعالى.
ومن يقول: كيف يكلّفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إليَّ؟
نقول له تذكَّرْ قول الحسن البصري رضي الله عنه:"أفلا أحْسِنُ لمن جعل الله في جانبي"
فانظر إلى نفسك ـ ولله المثل الأعلى ومنزَّه سبحانه عن كل مَثلٍ ـ حين تجد ولدًا من أولادك قد اعتدى على أخيه، فقلبك وعواطفك تكون مع المعتدَى عليه؟
ولو طبَّق العالم هذه القاعدة بيقينٍ وإخلاصٍ لصارت الحياة على الأرض جنة معجَّلة، قوامها التسامح، ومنهجها الحب.
اجتمع اثنين من العارفين بالله وقد أراد أن يتعالم كل منهما على الآخر؛ فقال واحد منهما:
كيف حالكم في بلادكم أيها الفقراء؟ والمقصود بالفقراء هم العُبَّاد الزاهدون
فقال العبد الثاني: حالنا في بلادنا إنْ أعطينا شكرنا، وإنْ حُرمنا صبرنا.
فضحك العبد الأول وقال: هذا حال الكلاب في بلخ
أي: أن الكلب إن أعطيته يهز ذيله، وإن منعه أحد فهو يصبر.
وسأل العبد الثاني العبد الأول: وكيف حالكم أنتم؟
فقال: نحن إن أعطينا آثرنا، وإن حُرِمنا شكرنا.
مَنْ ظُلِم من الخلق، فصبر على الظلم، فقد ضمن أن الله تعالى في جواره؛ لأن الله يغار على عبده المظلوم، ويجعله في معيته وحفظه.
لذلك قالوا: لو علم الظالم ما أعدَّه الله للمظلوم لَضنَّ عليه بالظلم.