فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 149

في الدقة في أداء العمل، وأن نَعْدل في المجتمع بأن نكون شهداء بالقسط. بهذا يأخذ كل إنسان حقه ولا يظلم قوي ضعيفًا؛ لأن الضعيف سيجد أناسًا يشهدون معه بالحق.

وإياكم أن تأخذوا الهوى في مقاييس العدل ولو كانت المسألة تتعلق بعدوكم أو بخصومكم فالعدل هنا أكثر أهمية ووجوبًا.

بعد أن أيد تعالى موسى بالآيات وأغرق فرعون، قال لقومه:

(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ)

فهل هذه الأرض المقدسة كتبها الله لهم كتابة كونية أو كتابة تشريعية؟

إن كانت كتابة كونية لكان من اللازم أن يدخلوها، لكنها كتابة تشريعية فإن أطاعوا أمر الله ودخلوها بشجاعة ولم يخافوا ممن فيها واستبسلوا ووثقوا أن وراءهم إلهًا قويًا سيساندهم فإنهم يأخذونها، وإن لم يطيعوه فهي محرمة عليهم.

فجاء بعدها قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} المائدة 26

فبعد أن مَنَّ عليهم بأرض يقيمون فيها، قالوا: { ... إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} المائدة 24

فكانت النتيجة أن حرم الله عليهم أن يستوطنوا وطنًا واحدًا يتجمعون فيه، ونشرهم في الكون كله. يؤكدها قوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا) الأعراف 168

"قطعناهم"أي أن كل قطعة يكون لها تماسك ذاتي في نفسها أي أنه جعل بينهم أوصالًا ولكنهم مفرقون في البلاد. ولا تشيع كل قطعة في المكان الذي تحيا فيه.

فنرى"حارات"خاصة لليهود في كل بلد، لا يدخل فيه أحد ولا يأخذون أخلاقًا من أحد،

فلا يذوبون في الناس أبدًا. فكأنهم شائعون في الأرض وهم مقطعون في الأرض.

وفي قوله: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ ... } الإِسراء 104 لفتة قرآنية، مادام الحق لم يحدد من الأرض مسكونًا خاصًا، فكأنه قال: ذوبوا في الأرض فليس لكم وطن، وستسيحون في الأرض مقطعين، محكوم عليكم أن تكونوا قطعًا ومشردين.

ويريد الله أن يعلن للدنيا كلها أن فسادهم فساد عام، ولذلك فهم إن اجتمعوا في مكان فلابد أن تتآلب عليهم القوى وتخرجهم مطرودين أو تعذبهم، وأظن حوادث هتلر الأخيرة ليست بعيدة عن الذاكرة.

ثم أنه سبحانه سيجمعهم من كل بلد تمهيدًا للضربة القاصمة.

{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} الإسراء 104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت