وهنا وقفة: فكيف بعد الإنابة إلى الله والتقوى، وبعد الأمر بإقامة الصلاة يقول: (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ؟ وأين الشرك ممَّنْ يُؤدِّي التعاليم على هذا الوجه؟
قالوا: الشرك المنهيّ عنه هنا ليس الإشراك مع الله إلهًا آخر، إنما أشركوا مع الله نية أخرى، فالإشراك هنا بمعنى الرياء، والنظر إلى الناس لا إلى الله.
لذلك يقولون: العمل من أجل الناس رياء، وترْك العمل من أجل الناس شرك، فالذي يصلي أو يبني لله مسجدًا للشهرة، وليحمده الناس فهو مُراءٍ، وهو خائب خاسر؛ لأن الناس انتفعوا بعمله ولم يُحصِّل هو من عمله شيئًا.
أما مَنْ يترك العمل خوفًا من الوقوع في الرياء، فيمتنع عن الزكاة مثلًا، خَوْفَ أن يُتَّهم بالرياء، فهو والعياذ بالله مشرك، لأن الناس ينتفعون بالعمل حتى وإنْ كان رياءً، لكن إنِ امتنعتَ عن العمل فلا ينتفع الناس منك بشيء.
لذلك رأينا سيدنا رسول الله وهو الأسوة للأمة الإيمانية يدعو ربه ويقول:
"اللهم إنِّي أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك".
ولا شكَّ أن القليل من الناس يخلصون النية لله، وأن الغالبية يعملون العمل كما اتفق على أية نية، لا تعنيهم هذه المسألة، ولا يهتمون بها، كما قال سبحانه: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} يوسف 106
وفي آية أخرى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} الشورى 43
ولا ننسى أن المتكلم هو الله، إذن: ليس المعنى واحدًا، فلكل حرف هنا معنى، والمواقف مختلفة، فانظر إلى دِقّة التعبير القرآني.
ولما كانت المصائب التي تصيب الإنسان على نوعين:
النوع الأول: هناك مصائب تلحق الإنسان بقضاء الله وقدره، وليس له غريم فيها، كمن أُصيب في صحته أو تعرَّض لجائحة في ماله، أو انهار بيته .. الخ.
وفي هذا النوع من المصائب يشعر الإنسان بألم الفَقْد، لكن لا ضغن فيها على أحد.
هذه الأحداث ابتلاء وقضاء وقدر، فلا يحتاج الأمر بالصبر هنا إلى توكيد، ويناسبه قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}
أما النوع الآخر: فهو المصائب التي تقع بفعل فاعل، كالقتل مثلًا، فإلى جانب الفَقْد يوجد غريم لك، يثير حفيظتك، ويهيج غضبك، ويدعوك إلى الانتقام كلما رأيته، فالصبر في هذه أصعب وحَمْل النفس عليه يحتاج إلى توكيد كما في الآية الثانية: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ