كيف يحيط الهدهد وهو طائر ضعيف محدود بما لم يحط به سليمان وهو الملك النبي الذي حكم الإنس والجن؟
لأن الله سبحانه وتعالى .. يكره الغرور من خلقه، ولذلك يأتي بآية تميز الأدنى عن الأعلى ليعلموا جميعا أن كل قدراتهم ليست بذاتهم، وإنما هي من الله.
كذلك سيدنا موسى وهو الرسول والنبي .. يتعلم من الخضر وهو العبد الصالح ما لم يكن يعلمه.
اختار الهدهد هذه الصفة بالذات (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ... )
لأنه خبير في هذه المسألة، فيرى الماء في باطن الأرض كما يرى أحدكم الزيت في إنائه.
والمراد بالخبْء في السموات: المطر، والخبْء في الأرض. النبات، ومنهما تأتي مُقوِّمات الحياة، فمن ماء المطر وخصوبة الأرض يأتي النبات، وعلى النبات يتغذَّى الحيوان، ويتغذّى
الإنسان.
إذن: لا تلجأ إلى الله إلا بعد أنْ تؤدي ما عليك أولًا، وتفرغ كل ما طاقتك في سبيل غايتك، لكن لا تقعد عن الأسباب وتقول: يا رب فالأرض أمامك والفأس في يدك ومعك عافية وقدرة، فاعمل واستنفد أسبابك أولًا حتى تكون في جانب المضطر الذي يُجيب الله دعاءه.
لذلك نسمع كثيرًا مَنْ يقول: دعوتُ الله ولم يستجب لي، ونقول له: أنت لم تَدْعُ بدعاء المضطر، أنت تدعو بدعاء مَنْ في يده الأسباب ولكنه تكاسل عنها؛ لذلك لا يُستجاب لك.
فربك - عز وجل - يريد منك أن تؤدي ما عليك ولا تدعه لشيء قد جعل لك فيه أسبابًا؛ لأن الأسباب يد الله الممدودة لخَلْقه، فلا ترد يد الله بالأسباب لتطلب الذات بلا أسباب.
والآية دليل على دوران الأرض. أما كيف تتحرك الجبال؟ إن حركة الجبال حركة تبعية للأرض وليست ذاتية، مثلما حركة السحاب تبعا للريح التي تحركها.