فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 149

مقومات الحياة) وشكره عليها، فوافق قوله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم 7

وإقرار العبد بنعم الله عليه يقضي على كبرياء نفسه، ويُصفِّي روحه وأجهزته، فيصير أهلًا لمناجاة الله وللدعاء، فإن اعترفتَ لله بالنعم السابقة أجابك فيما تطلب من النعم اللاحقة، على خلاف مَنْ لا يذكر لله نعمة، ولا يقرّ له سبحانه بسابقة خير، فكيف يقبل منه دعاء؟

إذن: لا تَدْعُ ربك إلا بعد صفاء نفس وإخلاص عبودية؛ ورد في الحديث:"مَنْ عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم"ويقول سبحانه: {إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} الأنفال 29

لذلك فإن أهل المعرفة يقولون: إن العبد مهما اجتهد في الدعاء، فإنه يدعو بالخير على حسْب فهمه وبمقدار علمه ولو أنه ذكر النعيم الأول لله تعالى، وأقرّ له بالفضل، ثم ترك المسألة له تعالى يعطيه ويختار له لكان خيرًا له؛ لأن ربه عز وجل يعطيه على حَسْب قدرته تعالى وحكمته. وهذا المعنى واضح في الحديث القدسي:"مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

نلحظ أنه لم يدْعُ بشيء من الدنيا، ومعنى {حُكْمًا} فرق بين الحكم والحكمة: الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، أما الحكم فأنْ تعلم الخير أولًا، ثم تعمل بما علمت ثانيًا.

وقال في دعائه: {هَبْ لِي} لأن الهبة عطاء دون مقابل، فكأنه قال: يا رب أنا لا أستحق، فاجعلها لي هِبةَ من عندك {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي: ألحقني بهم في العمل والأُسْوة لأنالَ بعدها الجزاء، وليس المراد: ألحقني بهم في الجزاء، إنما في العمل.

نعرف أن اللسان وسيلة التعبير، والصدق هو الكلام المطابق للواقع.

{لِسَانَ صِدْقٍ} يعني: ذكرًا حسنًا يذكر بحق ويذكر بصدق، لا كما نفعل الآن حين نقيم ذكرى لأحد الأشخاص، فنظل نكيل له المدائح ونُثني عليه بالصِّدْق وبالكذب، وبما فعل وبما لم يفعل، فهذا ذكر لكنه ذكر غير صادق.

ومعنى: {فِي الآخِرِينَ} يعني: يتعدى الذّكْر الحسن مدة حياتي إلى مَنْ بعدي، فاجعل لي لسان صدق في المعاصرين، وفيمن يأتي بعدك أترك أثرًا طيبًا يُذكَر من بعدي؛ لأن لي نصيبًا من الخير والثواب في كل مَن اقتدى بي، وجعلني أُسْوة.

بعد أن دعا لأمر في الدنيا، ثم لأمر بعد موته دعا لنفسه بجنة النعيم الدائم في الآخرة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت