(وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ ... ) فعلًا أمدّهم الله بالمال حتى أصبحوا أصحاب رأس المال في العالم كله، وأمدّهم بالبنين الذين يُعلِّمونهم على أعلى المستويات، وفي كل المجالات.
ولكن هذا كله لا يعطيهم القدرة على أن تكون لهم كَرَّة على المسلمين، فهم في ذاتهم ضعفاء رغم ما في أيديهم من المال والبنين، ولا بُدًّ لهم لكي تقوم لهم قائمة من مساندة أنصارهم وأتباعهم من الدول الأخرى، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان منذ الخطوات الأولى لقيام دولتهم ووطنهم القومي المزعوم في فلسطين، وهذا معنى قوله تعالى:
{وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} فالنفير مَنْ يستنفره الإنسان لينصره، والمراد هنا الدول الكبرى التي ساندت اليهود وصادمت المسلمين.
ومازالت الكَرَّة لهم علينا، وسوف تظل إلى أنْ نعود كما كُنَّا، عبادًا لله مُسْتقيمين على منهجه، مُحكِّمين لكتابه، وهذا وَعْد سيتحقّق إنْ شاء الله.
كلمة الآخرة تدلُّ على أنها المرة التي لن تتكرر، ولكن يكون لليهود غَلَبة بعدها
وذلك عندما نصبح عبادًا لله حقًا عندئذ سَيَكِلُ الله لنا تنفيذ وعده على اليهود وهل يستطيع المسلمون أن ينقضُّوا على اليهود وهم في شتيت الأرض؟ لا بُدَّ أن الحق سبحانه أوحى إليهم بفكرة التجمُّع في وطن قومي.
{لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} ويكون الانتصار وأشرف ما في الإنسان هو الوجه، وفوق ذلك:
{وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... } المتأمل في هذه العبارة يجد أن دخولَ المسلمين للمسجد الأقصى أول مرة كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن الأقصى وقتها في أيدي اليهود، بل كان في أيدي الرومان المسيحيين.
فدخوله الأول لم يكُنْ إساءةً لليهود، وإنما كان إساءة للمسيحيين، لكن هذه المرة سيكون دخول الأقصى، وهو في حوزة اليهود، وسيكون من ضمن الإساءة لوجوههم أن ندخل عليهم المسجد الأقصى، ونُطهِّره من رِجْسهم.
إذن: فخروجنا الآن من المسجد الأقصى تصديق لِنُبوءَة القرآن، لذلك بعض العارفين حينما جاء أحدهم خبر دخول اليهود بيت المقدس سجد لله. فقلنا:"أتسجد لله على دخول اليهود بيت المقدس"فقال: نعم. صدق ربنا ... قد حمد ذلك العارف بالله ربنا لأن قضايا القرآن تتأكد بالكونيات.
{وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} أي: يُهلكوا ويُدمِّروا، ويُخرِّبوا ما أقامه اليهود وما بنَوْهُ وشيَّدوه من مظاهر الحضارة التي نشاهدها الآن عندهم، ولابد أن تمرّ مدة ليعلوا في البينان.