وكلمة"كفلها"أي تولى كل مهمة تربيتها، هذه هي الكفالة.
والمعنى بأن زكريا عليه السلام هو الذي قام برعاية شئون مريم. وكان زكريا عليه السلام كلما دخل على مريم يجد عندها الرزق، أي إنه لم يدخل مرة واحدة، بل دخل عليها المحراب مرات متعددة ولذلك كان لا بد أن يتساءل عن مصدر هذا الرزق، ولا بد أن يكون تساؤله معبرًا عن الدهشة، لذلك يجيء القول الحق على لسان زكريا:
(أَنَّى لَكِ هَذَا) .
فلنا أن نذكر كل إنسان وكّله الله على جماعة ويرى عندهم ما هو أزيد من الطاقة، فلا بد أن يسأل: من أين لك هذا؟ ذلك أن فساد البيوت والمجتمعات إنما يأتي من عدم الاهتمام بالسؤال وضرورة الحصول على إجابة على السؤال المحدد: من أين لك هذا؟
إن الذي يدخل بيته ويجد ابنته ترتدي فستانا مرتفع الثمن ويفوق طاقة الأسرة، أو يجد ابنه قد اشترى شيئًا ليس في طاقة الأسرة أن تشتريه، هنا يجب أن يتوقف الأب أو الولي ليسأل: من أين لك هذا؟ إن في ذلك حماية لأخلاق الأسرة من الإنهيار أو التحلل.
63 - ( ... أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ... ) آل عمران: 39
لقد قال له الله: سأعطيك الولد. وزيادة على العطاء سماه الله بـ {يَحْيَى}
التسمية أمر شائع في عادات الناس فحينما يقبلون على تسميته؛ فهم يحاولون أن يتفاءلوا فيسموه اسما يرجون أن يتحقق في المسمى، فيسمونه"سعيدا"أملا في أن يكون سعيدا، أو يسمونه"كريما".ذلك هو الأمل منهم ولكن أتأتي المقادير على وفق الآمال؟ قد يسمونه سعيدا، ولا يكون سعيدا.
إن المسمي إنسان قدرته عاجزة ولكن ماذا يحدث حين يسمى الله سبحانه وتعالى؟
لا بد أن يختلف الموقف تمامًا، فالمحيى له طلاقة القدرة، فحين يسمى من له طلاقة القدرة (يحيى) دل على أنه سيعيش ولا بد من أن يحيا حياة متميزة؟
ويجب أن نفهم أن الحياة التي أشار الله إليها بأنها ليست الحياة المعروفة للبشر لأن الرجل حينما يسمى ابنه"يحيى"يأمل أن يحيا الابن متوسط الأعمار، كما يحيا الناس ستين عاما، أو سبعين ..
لكن الله حينما يسمى"يحيى"فلا بد أن يعطيه أطول من حدود أعمار الناس، ويهيء له الحق من خصومه ومن أعدائه من يقتله ليكون شهيدًا، وهو بالشهادة يصير حيًا، فكأنه يحيا دائمًا إلى أن تقوم الساعة، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.