الحق:"قل". وهناك آيات تأتي مسبوقة بـ"قل"ما الفرق بين الاثنين؟
نحن نجد أن الحقّ مرة يتلطف مع خلقه، فيجعلهم أهلًا لخطابه، فيقول:
{يا أَهْلَ الْكِتَاب} إنه خطاب من الله لهم مباشرة. ومرة يقول لرسوله: قل لهم يا محمد لأنهم لم يتساموا إلى مرتبة أن يُخاطَبوا من الله مباشرة.
مثال على ذلك - ولله المثل الأعلى - نجد الواحد منا يقول لمن بجانبه: قل لصاحب الصوت العالي أن يصمت. إن هذا القائل قد تَعَالَى عن أن يخاطب هذا الإنسان صاحب الصوت المرتفع فيطلب ممن يجلس بجانبه أن يأمره.
76 -(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ)آل عمران 104
وكلمة"أمة"مرة يراد بها الجماعة التي تنتسب إلى جنس كأمة العرب ...
ومرة يراد بها الملة أي الدين،
ومرة يراد بها الفترة الزمنية كقوله: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ .. } يوسف 45
ومرة تطلق كلمة"أمة"على الرجل الجامع لصفات الخير.
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل 120
بعض العلماء يرى معنى قوله {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ... } : أن تكون منكم جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكنّ هناك فهما أعمق من هذا، هو أن هذه الآية تأمر بأن تكون كل جماعة المسلمين أمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أي أن هذه الآية تطالب كُلَّ أمة المسلمين بذلك، فلا تختص جماعة منها بذلك، بل الواجب أن تكون أمة المسلمين كلها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، فمن يعرف حكمًا من الأحكام عليه أن يأمر به.
و قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} العصر 1 - 3
"وتواصوا"ولم يقل"ووصوا"ما معنى"وتواصوا"؟
إن المؤمن قد يضعف أمام معصية فيصنعها، لكن أخوه المؤمن غير ضعيف أمام تلك المعصية، لذلك يكون على غير الضعيف توصية الضعيف، وعلى الضعيف أيضًا ضرورة الانتباه حتى يتواصى مع غيره.
فالإسلام لم يجعل جماعة يوصون غيرهم وجماعة أخرى تتلقى الوصاية، بل كلنا موصٍ حينما نجد مَنْ من يضعف أمام معصية، وكلنا موصَّىً حين يكون ضعيفًا أمام المعصية؛
فالتواصي يقتضي التفاعل بين جانبين.