المهام، وإلا فسدت الحياة وأتعبتكم الأحداث.
فإذا اختلفتم في أن الذكورة والأنوثة يجب أن يتحدا في العمل والحركة والنوع نقول لكم: لا، فخذوا ما اتفقتم عليه (بالليل والنهار) دليلًا على صحة ما اختلفتم فيه.
لكن، ما الحكمة في أن الحق ـ تبارك وتعالى ـ أقسم في هذه المسألة بالضحى وبالليل إذا سَجَى؟ وما صلتهما بموضوع غياب الوحي عن رسول الله؟
يريد الله عز وجل أن يرد هؤلاء إلى ظاهرة كونية مُشَاهدة ومُعْتَرف بها عند الجميع، وهي أن الله خلق النهار وجعله مَحلًا للحركة والنشاط والسعي، وخلق الليل وجعله مَحَلًا للراحة والسكون، فيرتاح الإنسان في الليل ليعاود نشاطه في الصباح من جديد.
وهكذا أمر الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أجهده الوحي احتاج إلى وقت يرتاح فيه، لا لتنتهي المسألة بلا عودة، بل ليُجدِّد نشاط النبي، ويُشوِّقه للوحي من جديد؛ لذلك بشَّره بقوله: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى} الضحى 4
أي: انتظر يا محمد، فسوف يأتيك خير كثير، ستكون عودة الوحي خيرًا لك من بدايته؛ لأنه جاءك أولًا فوق طاقتك فأجهدك، أما في الأخرى فسوف تستدعيه أنت بنفسك وتنتظره على شوق إليه، فطاقتك هذه المرة مستعدة لاستقباله، قادرة على تحمُّله دون تعب. فالحق سبحانه يُرجِعهم إلى ظواهر الكون، وإلى الطبيعة التي يعيشون عليها، فأنتم ترتاحون من عَناء النهار بسكون الليل، فلماذا تنكرون على محمد أن يرتاح من عناء الوحي ومشقته؟ وهل راحتكم في سكون الليل تعني دوام الليل وعدم عودة النهار؟
أنت أيها الإنسان، اعلم أن الأسباب ستستجيب لك، فإياك أن تظن أن لك قدرةً عليها، أو أن لك جاهًا وعظمة، فتنسى أنك خليفة؛ لذلك يقول سبحانه احذر حين تتم لك الأمور وتطاوعك الأسباب {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} العلق 8 فسوف يقابلك من الأحداث ما لا تستطيع أسبابك أنْ تدفعَها، ولن تجد مرجعًا إلا إليَّ.
وكيف يطغى الإنسان وقد أعطاه الله فيضًا من فيض كماله، أعطاه قدرة من قدرته، وعلمًا من علمه.
هذه ثلاث قضايا أو نصائح نقدمها لك قبل أنْ تحلَّ بك الأحداث والمصائب: إن استغنيت ستطغى، وأن إلى ربك الرجعى، وإذا مسَّك ضر، ولا حيلةَ لك في دفعه بأسبابك، فليس
لك إلا الله تفزع إليه، والإله الذي يُنبِّهنا إلى المخاطر لنتلافاها إله رحيم.