فمَنْ يقْرُب عالمًا يأخذ بعضًا من العلم، ومَنْ يقرب قويًّا يأخذ بعضًا من القوة، ومَنْ يقرب غنيًّا، إن احتاج، فالغني يعطيه ولو قَرْضاَ.
أما الله سبحانه وتعالى فهو الوليّ المُطلَق، القريب من كل خَلْقه، لا يشغله شيء عن شيء، {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} الشورى 9
وهو سبحانه يقرب من عباده المؤمنين، {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} البقرة 257
والحق سبحانه لا تحكمه قوانين؛ فبطَلاقة قُدرته سبحانه إذا رأى في إنسانٍ ما خَصْلة من خير، فيكرمه أولًا، فيصير هذا العبد طائعًا من بعد ذلك فيصل العبد بكرامة الله أولًا إلى طاعة الله ثانيًا.
ومن الناس مَنْ يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب.
ولله المثل الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك إنسانٌ يحتاج إلى لقمة أو صدقة فتعطيه، وهناك إنسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق الإحسان إليه، فما بالنا بعطاء الحق لعباده؟
وحين يصل الإنسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معية الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيرًا. فيُقرّبه سبحانه قُرْبًا أكثر فيعطيه هبةً اصطفائية يراها الذين حوله وقد يقتدون به.
فإذا أفاض الله سبحانه على بعض خَلْقه هِباتٍ من الكرامات فعلى العباد الذين اختصهم الحق سبحانه بذلك أن يُحسنوا الأدب مع الله وألا يتبجَّح واحد منهم متفاخرًا بعطاء الله له فالمباهاة بالكرامات تضيعها، ومن تظاهر بالكرامة ليس له كرامة.
والتقوى ـ كما علمنا ـ هي اتقاء صفات الجلال في الله تعالى، وأيضًا اتقاء النار، وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات من تصدر عنه التقوى؛ لأنها مراحل، فقال يصف المتقين:
"هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لَعلَى نور".
وقد سئُل عمر ـ رضي الله عنه ـ عن المتقين فقال:"الواحد منهم يزيدك النظر إليه قُربًا من الله". وكأنه ـ رضي الله عنه ـ يشرح لنا قول الحق سبحانه:
{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} الفتح 29
وساعة ترى المتقي لله تُسَرُّ وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده؛ لأن رؤياه تذكِّرك بالخشوع، والخضوع،