فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 149

31 -قال تعالى:(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)البقرة 171

مثل الذين كفروا بالرسول كمثل الماشية مع الراعي، فالذي ينعق هو الذي يُصَوِّتُ ويصرخ للبهائم وهو الراعي فكأن الماشية المرعية لا تفهم من الراعي إلا النداء والدعاء، إنما دعاء ونداء لماذا؟ فهي لا تعرف الهدف منه، إلا بأن يسلك الراعي أمامها بما يرشدها .. كما أن الماشية تسمع الراعي ولا تعقل كذلك الكفار لا يسمعون إلا مجرد الدعاء والنداء، فعندما يأتي الرسول ويقول:"يا قوم إني لكم رسول، وإني لكم نذير"فهذا هو الدعاء، ومضمون ذلك الدعاء هو"اعبدوا الله".

إذن فالرسول يشترك مع الراعي في الدعاء والنداء، وهم اشتركوا مع المَرْعِىّ في أنهم لم يفهموا إلا الدعاء والنداء فقط، وفي الاستجابة هم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} ، فالمدعو به لم يسمعوه، ومضمون النداء لا يعقلونه ولا يفهمونه. وبكم لا ينطقون بمطلوب الدعوة وهو"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، وليس عندهم عقل يدير حركة العيون لينظروا في ملكوت السماوات والأرض ليظهر لهم وجه الحق في هذه المسألة.

وبما أن الدواب ليس مطلوبا منها أن ترد على من يناديها، لذا كان الكافرون شر من الدّواب.

إن من يأخذ ثمنًا على كتمان منهج الله لإرضاء الناس بتقنين يوافق أهواءهم وشهواتهم، فقد خسر في الصفقة حتمًا؛ لأن ذلك الثمن مهما علا بالتقدير البشري، فهو ثمن قليل وعمره قصير.

والأثمان عادة تبدأ من أول شيء يتعقل بحياة الإنسان هو قوام حياته من مأكل ومشرب، لذلك قال الله تعالى: {أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ} وإذا كانوا يأكلون في بطونهم نارًا فكيف يكون استيعاب النار لكل تلك البطون؟

وبما أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، لأنه يتلذذ بالطعام حتى يضيق بطنه بما يدخل فيه. عكس المؤمن الذي يأخذ من الطعام بقدر قوام الحياة، فيجعل الله العذاب لهم من جنس ما فعلوه بالثمن القليل الذي أخذوه، فهم أخذوا ليملوا بطونهم من خبيث ما أخذوا وسيملأ الله بطونهم نارًا، جزاء وفاقا لما فعلوا، وهذا لون من العقاب المادي يتبعه لون آخر من العقاب هو {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} أي أن الحق ينصرف عنهم يوم لا أنس للخلق إلا بوجه الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت