إذن فقد فسدت مناعة الذات، ولا توجد مناعة في المجتمع، فتتدخل - إذن - السماء.
لكن الحق فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وميزها على غيرها من الأمم لأن مناعتها دائمًا في ذوات أفرادها، فلا يمكن أن يخلو المجتمع الإيماني من فرد يقول: لا.
ولذلك لن يأتي رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكل واحد في المجتمع يوصِي، وكل واحد يوصَى، اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا الْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)
ولم يخصص الحق قومًا ليكونوا الناهين، وقومًا آخرين ليكونوا المنهيين، لا، بل كل واحد منا عرضة أن يكون ناهيًا إن اتجهت خواطر صاحبه إلى الحرام، وعرضة أيضًا لأن يكون منهيًا إن كانت نفسه تتجه إلى الحرام، وبذلك نتبادل النهي والتناهي.
إذا كان الحق قد أمرنا أن نختار ذوي العدل للحكم في رقبة شاة، فما بالنا برقاب الناس ومصالح الناس؟
نحن - إذن - مطالبون بأن نميز ذوي العدل بين الناس من خلال مراقبة حركة الإنسان مع نفسه وعلى نفسه وعلى أهله، وعندما نكتشف أنه صار مأمونًا على نفسه، هنا نستطيع أن نوليه أمور غيره بالخدمة العامة، وذلك حتى لا تخيب الأمة، فالأمم إنما تخيب باختيار غير مدروس لقيادات المواقع المختلفة فيها.
وما يحكم به ذوا العدل إنما يذهب كله للكعبة؛ ليأكله الموجودون في البيت الحرام لعبادة الرحمن. وقد أراد الله أن يضمن قوت الذين يسكنون واديًا غير ذي زرع حتى من أغلاط الذين يعتدون على ما حرَّمَ الله صيده من الحيوان.
{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي ألزموا أنفسكم، وكأن نفوس المؤمنين وحدة واحدة. وهو تعبير عن ضرورة شيوع الرتابة الإيمانية المتبادلة. والمؤمن يحب الطاعة ويحاول أن يجعل أخاه المؤمن مُحبًا للطاعة، ويتعدى خير المؤمن ليفيد المجتمع.
معناها أيضًا أي أنكم يا جماعة المؤمنين كل منكم مسئول عن نفسه وعن بقية النفوس المؤمنة، ومن الهداية أن نقوّم الذي على فساد. ولا يقولنّ مؤمن:"وأنا مالي".