فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 149

اجترأ على المؤمنين فسوف يفتنهم في دينهم، وإذا فتنهم في دينهم فقد هلكوا. إذن فالاستعداد للحرب أنفى للحرب، وعندما يراك العدو قويًا فهو يهابك ويتراجع عن قتالك.

إذًا فالمعنى الأول يجعلك تنفق في سبيل الله ولا تلقي بيدك إلى التهلكة بترك القتال. والمعنى الثاني أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بأن تقبلوا على القتال بلا داع أو بلا إعداد كافٍ. إن الحق يريد من المؤمنين أن يزنوا المسائل وزنًا يجعلهم لا يتركون الجهاد فيهلكوا؛ لأن خصمهم سيجترئ عليهم، ولا يحببهم في أن يلقوا بأيديهم إلى القتال لمجرد الرغبة في القتال دون الاستعداد له. إنها جملة واحدة أعطتنا عدة معان.

إن الزاد هو ما يأخذه المسافر ليتقوى به على سفره يقي به نفسه من الجوع والعطش، وكان هذا أمرًا مألوفا عند العرب قديمًا؛ لأن المكان الذي يذهبون إليه ليس فيه طعام. وكل هذه الظروف تغيرت الآن، وكذلك تغيرت عادات الناس التي كانت تذهب إلى هناك. كانت الناس قديمًا تذهب إلى الحج ومعها ملح طعامها والخيط والإبرة ... ، فلم يكن في مكة والمدينة ما يكفي الناس، وأصبح الناس يذهبون الآن إلى هناك ليأتوا بكماليات الحياة، وأصبحت لا تجد غرابة في أن فلانا جاء من الحج ومعه كذا وكذا. كأن الحق سبحانه وتعالى جعل من كل ذلك إيذانًا بأنه أخبر قديمًا يوم كان الوادي غير ذي زرع. فقال: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ .. } القصص 57

وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله: يُجْبَى ومعناها يؤخذ بالقوة وليس باختيار من يذهب به، فكأن من يذهب بالثمرات بكل ألوانها إلى هناك مرغم أن يذهب بها، وهو رزق من عند الله، وليس من يد الناس.

وهذا تصديق لقوله تعالى: {وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ ... } إبراهيم 37

-وَتَزَوَّدُوا: إنه أمر من الله بالتزود في هذه الرحلة التي ينقطع فيها الإنسان عن ماله وعن أهله وعن أحبابه .. ، وإذا كان التزود فيه خير لاستبقاء حياتك الفانية، فما بالك بالحياة الأبدية التي لا فناء فيها، ألا تحتاج إلى زاد أكبر؟ فكأن الزاد في الرحلة الفانية يعلمك أن تتزود للرحلة الباقية. إذن فقوله: (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) يشمل زاد الدنيا والآخرة.

والله سبحانه وتعالى يذكرنا بالأمور المُحَسّة وينقلنا منها إلى الأمور المعنوية، كقوله سبحانه وتعالى: (يَا بَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وريشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذالِكَ خَيْرٌ) الأعراف: 26 هذا أمر حسي. ينقلنا منه تعالى إلى أمر معنوي.

فإن كنت تعتقد في اللباس الحسي أنه سَترَ عورتك ووقاك حرًا وبردًا وتزينت بالريش منه فافهم أن هذا أمر حسي، ولكن الأمر الأفضل هو لباس التقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت