لا تنظر إلى لينونة مادة القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها.
الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتدًا للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته ..
فالله تعالى لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم.
(وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ)
هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة .. عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه.
أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا.
واقرأ قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} الأعراف 143
يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله.
ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا.
لقد سيطرت المادية على بني إسرائيل وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس .. فعقولهم وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب ..
فقالوا لموسى: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) ، وحين جاءهم المن والسلوى رزقًا من الله خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزقٌ غيبيّ فطلبوا نبات الأرض ..
لذلك كان لابد أن يأتي رسول وهو عيسى ابن مريم كل حياته ومنهجه أمور غيبية .. مولده أمر غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلى صفاء الروحانية.
فأراد تعالى أن يخلع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه .. وإنما هو الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال:"كن"كان .. بصرف النظر عن المادية المألوفة في الكون ..
وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ .. ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس؟
لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل أمر له .. ميلادًا ومعجزةً وموتًا .. والروحُ القدس هو جبريل عليه السلام لم يكن يفارقه أبدا .. لقد جاء عيسى عليه السلام على غير مألوف الناس وطبيعة البشر مما جعله معرضًا دائمًا للهجوم .. ولذلك لابد أن يكون الوحي في صحبته لا يفارقه .. ليجعل من مهابته على القوم ما يرد الناس عنه .. وعندما يقال إنه شيء عجيب أن يرفع إنسان إلى السماء، ويظل هذه الفترة ثم يموت؟؟