وضعوه في موضع الألوهية أو بنوّة الألوهية، وفيه تعدِي على التنزيه المطلق للحق سبحانه. لكن فتنة بعض الناس بعيسى ابن مريم عليه السلام لا تؤثر في مكانة عيسى عليه السلام عند الحق فهو مقرب من الله.
ونعلم أن قصارى ما صنعت الأمم السابقة أن بعضهم كفر بالرسل، وبعضهم كذب الرسل، لكن لم يدع أحد من هذه الأمم أن الرسول الذي جاء هو إله، إلا بعض فرق اليهود قالوا: إن عزيرا هو ابن الله وهذه الفرقة قد انقرضت ولم يبق يهودي يقول ذلك، وسبحانه قد جعل الشرك به قمة الكفر الذي لا غفران له.
ويقدم الحق السؤال لعيسى ابن مريم بعد أن ذكِّره بعدد من النعم التي أنعم بها سبحانه وتعالى عليه وعلى أمه مريم، وسرد النعمة على الرسول ليس المقصود منه تنبيه الرسول إلى النعمة فالرسول يعلم النعم جيدًا، ولكنه تقريع لمن رأى هذه الأحداث والنعم ولم يلتزم الإيمان بالله بعدها. ونلحظ أن هذه الآيات والنعم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول الذي يقنع أصحاب العقول والألباب هو تعليم الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل.
والقسم الثاني الذي يقنع الماديين هو الأمور المادية الحسية التي يتعرف من يراها على أنها لا يمكن أن تجري على يد بشر، كأن يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا. وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. وهذه الآيات خرق للناموس المادي.
قول عيسى عليه السلام يمتلئ بكل المعاني القيمة، فهو يطلب أن تكون المائدة مناسبة لعيد يفرح به الأولون والآخرون وآية من الحق سبحانه وتعالى، ويطلب من فضل ربوبية الرازق أن يرزقهم، ويعترف بامتنان أن الحق هو خير الرازقين
لقد قال عيسى ابن مريم داعيا الله: (اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ) وألزم عيسى نفسه بنداء الألوهية أولًا معترفًا بالعبودية لله ملتزمًا بالتكليف القادم منه ثم جاء بنداء الربوبية. وأخذ نداءه زاوية القيم ثم زاوية المادية وهي الرزق والرزق هو كل شيء تحتاج إليه وتنتفع به، فالأكل رزق، والشرب رزق، والملبس رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، وكل شيء تنتفع به هو رزق من عند الله، ولذلك جاء عيسى بالكلمة العامة التي يدخل فيها الأكل وتتسع لغيره.
أما الحواريون قدموا بشريتهم فطلبوا من المائدة الأكل والطعام فقالوا: (نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين) .