ولهذا وضع الحق لنا العبادات الجماعية حتى يرى الضعيف في سلطان الدنيا القوي في السلطان وهو يشترك معه في السجود للإله الواحد.
كلمة"توفّى"في القرآن على ثلاثة ألوان:
اللون الأول هو قول الحق: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الزمر 42
وقوله سبحانه: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ} السجدة 11
ومرة يقول الحق سبحانه: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} الأنعام 61
سبحانه - إذن - ينسب الموت له ولملك الموت، ولرسله.
فأخذ الأرواح وقبضها إلى الله أمرًا، وإلى ملك الموت وسيلة وواسطة، وإلى الرسل تنفيذًا.
قارنوا بين مَن يقدم لأي واحد منكم منفعة قد لا تأخذ من وقته نصف ساعة في جزئية من جزئيات الحياة، ومن يقوم بعمل ينفعكم في مدًى يتعدى الدنيا إلى أن يصل إلى الآخرة ثم يقول: أنا لا أريد منكم أجرًا.
وعندما نقرأ سورة الشعراء نجد قول الأنبياء كلهم: (وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) ، إلا سيدنا موسى، وسيدنا إبراهيم. لماذا؟
نقول: إن من ينزل عن الأجر، هو من يقدم لهم منفعة.
وفي موسى عليه السلام نجد أنّه قد قدمت وسيقت له المنفعة من فرعون الذي قام بتربيته، كأنه قد أخذ الأجر مقدمًا، لذلك لم يقل موسى لفرعون"لا أسألك أجرًا؛ لأن القرآن جاء بقول فرعون: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} الشعراء 18"
وكذلك لم تأت مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم لأنه خاطب أباه آزر، ولم يكن من المقبول أن يقول له:"لا أسألك أجرا".
مما يدل على أن القرآن موضوع بأدق تفاصيله بحكمة؛ لأن من يتكلم هو ربنا.
ويمتاز سيدنا رسول الله أيضا ويقول:"لا أسألكم أجرًا"إلا آية واحدة استثنى فيها هذا النفي: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} الشورى 23
والمودة هي فعل الخير الناشئ عن محبة قلب، أما فعل الخير الذي لا ينبع من محبة في القلب فهو فعل معروف؛ لأن المعروف يضعه الإنسان مع من يُحب ومن لا يُحب.
ولذلك قال ربنا: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} لقمان 15