وقوله تعالى:"أمة"يعني أن صفات الكمال المنهجية أكثر من أن يحيط بها واحد لينفذها كلها، فكل واحد له جزء يقوم به، فهناك من يتميز بالصدق، وآخر في الشجاعة، وثالث في الكرم، وهكذا تبقى الأسوة في مجموع الصفات الحسنة.
وقد ميز الله سيدنا إبراهيم عليه السلام فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل 120
أي أنه جامع لخصال الخير التي لا توجد إلا في مجتمع واسع.
لذلك تظل هذه الأمة المسلمة مأمونة على صيانة منهج الله إلى قيام الساعة.
وكلما زاد الناس في الإلحاد، زاد الله في المدد، لتبقى شريعة الله مصونة بالسلوكيين التابعين لمنهج الله.
إذن فالحق سبحانه وتعالى ترك للفساد أن يصنع الشر، ولسائل أن يسأل: ما لزوم هذا الشر في كون خلقه الله على هيئة محكمة؟
نقول! لولا أن الناس يضارون بالشر؛ لما تنبهوا إلى حلاوة الخير، ولو أن الإنسان لم يصب من أصحاب الباطل بسوء؛ ما تحمس للحق أحدٌ، ولا عرف الناسُ ضرورة أن يتأصل الحق في الوجود، فللشر - إذن - رسالته في الوجود. وهو أن يهيج إلى الخير.
وهذه آية جمع فيها المولى سبحانه وتعالى مكارم الأخلاق.
كلمة"العفو"ترد على ألسنتنا، ونحن لا ندري أن لها معنى أصيلًا في اللغة. وقد يسألك سائل: من أي أتيت بهذا الشيء؟ فتقول له: جاءني عفوًا، أي بدون جهد، وبدون مشقة، وبدون سعي إليه ولا احتيال لاقتنائه.
والحق هنا يأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو، أي أن يأخذ الأمر الميسر السهل، الذي لا تكلف فيه ولا اجتهاد؛ لأنك بذلك تُسهل على الناس أمورهم ولا تعقدها، أما حين تتكلف الأشياء، فذلك يرهق الناس، ولذلك يأمر الحق رسوله أن يقول:
{قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} ص 86
أي أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف الأمور حتى تصير الحياة سهلة ولا يوجد لدد بين الناس؛ لأن الذي يوجد اللدد هو التكلف وقهر الناس.
ولذلك يقال: إن المؤمن هو السمح إذا باع، والسمح إذا اشترى، والسمح إذا اقتضى، والسمح إذا اقتُضِي منه: أي أنه في كل أموره سمح.