نلحظ اختلاف الأسلوب هنا، مما يدل على دِقَّة الأداء القرآني، فلم يقل: أخوهم شعيب، كما قال في نوح وهود وصالح ولوط، ذلك لأن شعيبًا عليه السلام لم يكن من أصحاب الأيكة، إنما كان غريبًا عنهم.
تأمل قوله {وَأَنذِرْ ... } فلم يقُلْ: بشِّر عشيرتك، كأنه يقول له: إياك أنْ يأخذك به لين ورَافة، أو عطف لقرابتهم لك، بل بهم فابدأ.
لأن الفساد يأتي أول ما يأتي من دوائر القُرْبى والحاشية التي تحيط بالإنسان، وقد يكون الرئيس أو الحاكم بخير، لكن حاشيته هي سبب الفساد، حيث تستغل اسمه ...
لذلك كان سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ ساعة يريد أن يُقرِّر شيئًا للأمة، يجمع أهله أولًا ويقول لهم: لقد شاء الله أن أقرر كذا وكذا، فمَنْ خالفني منكم في شيء من هذا جعلته نكالًا لعامة المسلمين، وهكذا يضمن أهله وأقاربه أولًا، ويبدأ بهم تنفيذ ما أراد للمسلمين.
لذلك يُقال عن عمر رضي الله عنه أنه حكم الدنيا كلها، والحقيقة أنه حكم نفسه أولًا، فحكمتْ له الدنيا.
كان سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ على المنبر يخطب في الناس، ويقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقام أعرابي وقال: لا سمعَ لك ولا طاعة، انظر إلى هذه الجرأة على مَنْ؟ على عمر وهو على المنبر ـ فقال له عمر: ولِمَ؟
قال: لأن ثيابك أطول من ثيابنا ـ وكان القماش يُوزَّع بين المسلمين بالتساوي لا فَرْق بين طويل وقصير ـ فقال عمر لابنه عبد الله: قُم يا عبد الله لتُرِي الناس، فقام عبد الله فقال: إن أبي رجل طِوَال ـ مبالغة في الطول ـ وثوبه في المسلمين لم يكْفِه، فأعطيته ثوبي فوصَله بثوبه، وها أنذا بمُرقَّعتي بينكم، عندها قال الأعرابي: إذنْ نسمع ونطيع.
لكن أين القدوة في دوائرنا ومصالحنا الحكومية الآن؟ وأين هو رئيس المصلحة الذي يحضر، ويجلس على مكتبه في الثامنة صباحًا ليكون قدوة لمرؤوسيه؟ وإن من أشد ما ابتُلينا به أن نفقد القدوة في الرؤساء والمسئولين؟؟؟
أعطى الله تعالى سيدنا سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. وميزه عن خلقه. فيأتي الهدهد ليقول له: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} .