فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 149

وتتابع الآية {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فما دمتم قد حاولتم تقويم الفساد فأنتم قد أديتم ما عليكم في ضوء قوله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

ولكن كيف يكون التغيير بالقلب؟

بأن لا يقابل منحرفًا أو منحرفة بترحيب أو تعظيم والمقاطعة لمن يخرج على منهج الله، فالتغيير بالقلب أن يكون التصرف السلوكي الظاهري مطابقًا لما في القلب، فيحس فاعل المنكر أنه مستهجن من غيره. وإلا فهو يستسهل أمور الشر إذا لقيه من ينافقه من الناس بمجاملات في غير محلها. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} الأنعام 68 وأنت حين لا تولي منحرفًا عن منهج الله مودة، ورحمة، ومعروفًا تكون قد ألزمت نفسك الإيجابية.

علينا أن نستمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل مرة عن هذه الآية: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) فقال:"بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متّبعًا ودنيا مُؤثَرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك - بخاصة نفسك - ودع عنك العوامّ فإن من ورائكم أيامًا الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون كعملكم".

وروى الإمام أحمد قال: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأوون هذه الآية:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنّ الناس إذا رأوْا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله - عز وجل - أن يعمهم بعقابه"

130 - (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ ... ) المائدة 109 - 110

لماذا يجمع الله كل الرسل ويسألهم سؤالًا على الإجمال، ثم لماذا يأتي بعيسى ابن مريم ليسأله سؤالًا خاصًا عن حادثة مخصوصة؟

أراد الحق بذلك أن يعلمنا أنه سيسأل الرسل سؤالًا يوضح لنا أدب الرسل مع الحق، ويبين لنا تقريع الحق لمن كفروا بالمنهج.

أما سؤاله سبحانه وتعالى لعيسى ابن مريم ذلك السؤال الخاص (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين .. ) ، إياك أن تظن أن هذا السؤال هو تقريع من الله لعيسى بن مريم. لا إن الحق يريد أن يقرّع من قالوا هذا الكلام، ومرد ذلك إلى أن بعض الذين آمنوا به قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت